» عثرنا على هذه القطعة الجميلة في ملفات « صوت المرأة » القديمة ، وقد عجبنا ان نبقى الى
اليوم دون نشر . «
» وقد ارسلتها صاحبتها ، وهي طالبة بكالوريا ، منذ مدة ، وما من شك في ان هذه الطالبة
التي كتبت مثل هذه القصة ، يمكنها اليوم ان تعطي اشياء جميلة جداً . ونرجو لهذا القلم ان
يثابر على صناعة الحروف الجميلة . «
بعيداً عن لغط الاطفال ولهوهم ، وفي
ركن من اركان حديقة المدرسة ، انزوت
« سلوى » تتأمل مبهورة مشدوهة ، لا تشعر
برغبة في اللعب وقد علت وجهها اللطيف
مسحة من الكآبة ، وحلّ محلّ تلك الابتسامة
الحلوة صمت عميق . ثم اخذت تتطلع الى
الافق بعينيها الخضراوين الهادئتين وقد
سبح انسانهما بالدمع تستعيد حياتها خلال
هذه الاعوام القليلة التي عرفت فيها
الوجود : لقد فارقت امها الغالية هذه
الحياة منذ ثلاث سنين وتركتها وحدها
لا تعرف من دنياها سوى أبيها الحبيب
الذي طالما نهنه دموعها وكان لها الأب
والأم معاً ، ولا زالت تذكر عطفه عليها
عندما رحلت جدتها الحانية التي طالما
احبتها وغمرت وجهها الصغير في حجرها
تشكو اليها شيئاً ما ، وقد وعدتها هذه
الجدة بالرجوع عندما تزهر الحقول ولكنها
لم تعد ابداً ، وقيل لها انها ماتت .
« سلوى » وحيدة في الحياة تشعر
انها غريبة عن هذا العالم وعن كل شيء
فيه ، حتى هذا البيت الذي تعيش فيه ،
وهذه المرأة الشريرة زوجة ابيها التي
يقولون لها انها امها الثانية وانه يجب عليها
ان تحبها وهي في حيرة من امرها ، لا
تجد أي شبه بينها وبين العزيزة الراحلة ،
ولا تستطيع مخيلتها الطفلة ان تقارب بين
هذه السمات العابسة دائماً وبين وجه امها
السموح المتهلل ، بين هذا الصوت الذي
لا يفتأ يشتم وبين تلك الرقة الهادئة التي
كانت تحدثها بها امها ، وبين هذا الجسد
الغليظ الذي يضرب الارض بكبرياء وبين
تلك القامة الهيفاء التي كانت تنتقل في
سكون كأنها الطيف . أما هذا « الصغير »
الذي انتظرته زوجة ابيها بفرح واحتفلت
بمقدمه والذي يدعونه شقيقها انها تكرهه
اشد الكره وتتمنى لو انه يموت فتستريح
من رؤية امه تقبله بجنان وتهدهده طيلة
الليل . كانت تشعر بحرمان قاتل عندما
تراها تغمره بفيض من عواطف الامومة .
اين امها هي تقبلها كعادتها ؟ اين نظراتها
الوادعة التي كانت تدخل الى قلبها
الطمأنينة ؟ اجل ! انها تكرهه وتكره
كل شيء يتعلق به رغم انه يشبه بشكله
ودقة سماته لعبها الجميلة . لقد شعرت ان
الخلاف بين ابيها وزوجته قد بدأ يزول
منذ مجيء هذا « الصغير » وان محبة
والدها لها قد نقصت بالتالي فما عاد يجلسها
على ركبته يروي لها الاحاديث الشائقة
بشغف وسرور وقال لها انها اصبحت شابة ،
وما عاد يزورها في الليل وهي في سريرها
ليقبلها بحنان ، بل ما عاد يستعيد في وجهها
الجليل صورة امها ، لقد كان يقضي السهرات
الطوال بعيداً عن زوجته وبصحبتها هي
يحدثها عن امها ، وكثيراً ما كان يحدق
فيها بنظرات عميقة لا تفقه معناها ثم يقول
لها والدموع تهطل من عينيه « كم انت
جميلة يا سلواي الصغيرة ولشد ما تشبهين
امك ، وكم اتمنى ان تكوني مثلها في
الرقة ... والطباع ... والمعاملة » ثم
يقوم الى خزانته يستخرج لها بعض
الطرف والهدايا الثمينة وها هي ذي الهدايا
قد بدأت تقل ... حتى كادت تزول .
عادت « سلوى » مساء ذلك اليوم
ساهمة شاردة الى البيت وما ان اجتازت
الردهة حتى فوجئت بالمربية وقد اربدّ
وجهها من الغضب تقول لها ان تخفف وقع
اقدامها على الارض لان شقيقها مريض ،
ولكنها لم تأبه وطفقت تبحث عن ابيها
الحبيب فلم تجده حتى في غرفة المكتبة
التي اعتاد ان يجلس فيها بعد الطعام يحتسي
القهوة الحارة ويطالع بهدوء . ولما فتحت
عفواً باب غرفة « الصغير » وجدته مكباً
على السرير وقد ارتسمت على محياه علائم
الحزن ومعه الطبيب يتحدثان باهتمام عن
حالة المريض وسمعت الاخير يقول :
« يجب الحذر من هذا الدواء لان كثرته
تميت فبضع قطرات تكفي للطفل » .
اسرعت سلوى الى ابيها ونادته كعادتها
ولكنه امرها بلهجة فيها شيء من العنف
والغضب ان تتوارى الآن عنه لانه