
مشغول بالمريض .
خرجت « سلوى » وهي تستعيد ما قاله لها ابوها فتشعر بقسوة هذه الكلمات ، احست ان كل شيء يعبس لها وانما لم تعد تلك المدللة المترفة وظهر لها المنزل كأنه احد البيوت الحربية الموحشة التي سمعت عنها في حكايات جدتها السحرية وان هؤلاء الاشخاص ليسوا الا اشباحاً مزعجة ... مخيفة يتنقلون به . هبطت الحديقة فلم تجدها باسمة كعهدها بها وخيل اليها ان الاطيار تنوح ... والورود تبكي ... حتى قطتها الصغيرة قد سكنت وتناومت وقد اهمل طعامها لاجل المريض الصغير .
خيم الليل بظلامه الحالك فدلفت « سلوى » الى غرفتها حزينة ... مجروحة واستلقت على سريرها تئن وتبكي . كان الليل بعمقه وسكونه واسراره موحشاً .. كثيباً ... رهيباً يبعث في نفس الطفلة خوفاً ترتعد لها اوصالها وتصطك ركبتاها وتسري موجة من البرد الشديد في اعضائها . وكانت حمامات الكرى تطوف حول جفنيها الملتهبين وقد قرّحها البكاء ثم تبتعد وتعود اخرى فتأخذها سنة من النوم بسيطة تستيقظ بعدها مذعورة على فكرة طارئة .
ما زالت « سلوى » تفكر في ألم وثورة ، ويرسم لها خيالها الواسع خيال الاطفال في مثل سنها ، صوراً متعددة وظلالاً متنوعة فتألم ... ثم تأمل . تتنابها موجة من الفرح ... ويستولي عليها حزن عميق ... حتى اكتشفت اخيراً ان هذا « الصغير » هو مصدر شقائها . فلو مات لعادت تستأثر بحب ابيها وعطفه ولعادت
كسابق عهدها في الحياة ، اذ تزول هذه الحوادث الممضة ، ولاصبحت هي الوحيدة ابنة ابيها التي تنال اهتمام الجميع ولكن كيف يموت ؟ لبثت ترهق عقلها بشتى الاسئلة وتستفسره عن النتائج حتى خيل اليها انها وجدت الحل النهائي ...
انتظرت « سلوى » حتى هدأت كل حركة في المنزل ورقد الجميع فتسللت في خفة الارنب من غرفتها والسكون يلف الكون ... وتنصب اشعة القمر الفضية على وجهها الصغير فيبدو شاحباً ... متقلصاً يعلو شيء غريب ووصلت غرفة « الصغير » فوجدته نائماً والاحلام العذبة تحوم حول شفتيه فيبتسم لها في وداعة الملائكة ، ووجدت امه وقد اعياها السهر قد سبحت في سبات عميق على اريكة قريبة . ارتجفت يدا « سلوى » واتسعت حدقتاها وانتابها شعور غامض ثم استجمعت شجاعتها وبدون تفكير تناولت زجاجة الدواء وراحت تصب في فم « الصغير » جرعات منها ولما اطمأنت الى انه ابتلعها رجعت مسرعة .
وصلت غرفتها ترتعد وقد تقصد جسدها عرقاً وتصلبت يداها . هنا احست براحة عميقة ، مبهمة ، لذيذة فاستلقت في السرير واستسلمت لنوم طويل لم تنعم بمثله منذ امد ... ورأت فيما يرى النائم شبحاً بعيداً خيّل اليها انه امها وما زال الشبح يقترب وما زالت ضربات قلبها تتزايد حتى تبينت اخيراً امها . ولكنها لم تكن يهدونها المعتاد الذي تعرفه سلوى وقد اشاحت بوجهها عنها . صاحت الطفلة من اعماق قلبها تناديها : « اماه الحبيبة » فالتفتت الأم وقد ترقرق في عينيها
الصافيتين دمعة كبيرة ونظرت الى الابنة نظرة عميقة نفذت الى اسرار قلبها وقالت بصوت كأنه الهمس . « ويحك يا سلوى ! ماذا فعلت ؟ لقد قتلت اخاك الصغير ! اهكذا يمتلىء قلبك الحنون ... الصغير ... غيرة وحسداً ؟ اهكذا تنقلب سلوى الابنة العطوف ... أهذه هي الاخلاق التي غرستها في نفسك وأرضعتك لبنها ؟ لن أزورك بعد اليوم في احلامك ... ولن استمع الى نداءاتك الحارة . كلا يا سلوى ! لن يغفر الله لك ولن تصل صلاتك اليه عند الصباح ولن يتقبل دعاءك المعتاد عند المساء . »
اختفى الشبح وهو يتمتم : « اللهم اغفر لهم لانهم لا يعلمون ما يصنعون . » ثم لمع ضياء شديد أمام عيني الطفلة أفاقت
( البقية على الصفحة ٣٥ )
