... وكان ذلك الصيف ماحلاً ، لم
تلطف حرارته المحرقة قطرة طلّ واحدة
فتحولت المروج المخملية الخضراء في القرية
الصغيرة ، الى حقول محروقة بلون البن ،
والاشجار العتيقة بجوار الشارع اخذت
تتعرى ناثرة اوراقها الميتة الصفراء في
الاقنية العميقة .
وصدف مرة ، في تلك الايام الملتهبة ،
ان مرّ الشاب جرينفيلد ، بسيارته عبر
هذه القرية ، فلفت نظره ، شبح امرأة
عجوز تعالج بمشقة ، سطلاً كبيراً ملأته
من ماء النهر ، وتحاول ان تطلع به الى
الطريق العام .
اوقف الشاب سيارته ونادى باعلى
صوته :
« هل اقدر ان اخدمك بشيء يا
سيدتي ؟ »
وساعدها الشاب ، واوقف سطل الماء
في السيارة ، واجلس العجوز الى جانبه
وحملها الى حيث شاءت ، الى كوخ صغير
على الطريق .
وتمهل الشاب هنيهة ، ليرى ما شأن
العجوز من سطل الماء ، تحمله كل هذه
المسافة بنفسها ؟ ..
وراقبها تحمل السطل بجهد ، وتفرغه
بتأنٍ ، على التراب ، على جذع شجرة
عتيقة كانت امام الكوخ ...
وسألها الشاب بدهشة :
« حملت الماء بهذا السطل الثقيل
مسافة ميل على الاقل ، لتفرغيه عند اقدام
هذه الشجرة ؟ واقدّر انك ناهزت السبعين
من العمر ! »
- بل الثمانين » اجابت العجوز ،
ومدت يدها المرتجفة تلامس الشجرة
وقالت : -
« لا ادري ماذا يصيبني اذا ماتت هذه
الشجرة ! »
ورفع الشاب عينيه يفحص الشجرة
بنظر الاخصائي المدقق ... وفكر في
نفسه ... انها في طريقها الى الموت ...
واراد ان يطمئن العجوز ببعض الكلمات
فما استطاع ان يقول غير هذا : -
« هي مسافة طويلة تحملين فيها الماء
لتسقي الشجرة » .
- اجل ، اجابت العجوز ، لكن
هذه الشجرة تستحق اكثر من ذلك .
فهي الصديقة الوحيدة التي بقيت لي من
رفيقات صباي ...
اليها والدي شدّتني ، قبل ان اتعلم
المشي ...
ومن سبعين سنة ، لعبت تحتها ، كما
يلعب الاولاد ، فكان اترابي يوصوصون
من خلال اغصانها الوارفة . ولم يبق من
هؤلاء الاصحاب غير هذه الشجرة
وغيري انا ...


