وبعد فترة من التأمل استأنفت
العجوز حديثها فقالت :
- ... وكطفلة ، كنت اتسلق هذه
الشجرة، عندما تزجرني والدتي ، وامكث
بين اوراقها ، واحسّ كأن اغصانها
تضمني اليها بحرارة وتطيب خاطري
بكلماتها المشجعة ...
... هنا في هذه البقعة تماماً قبلني
حبيبي القبلة الاولى ، وتحت هذه الشجرة
ألبسني خاتم الخطبة .
وبدأت شفتاها ترجفان وهي تعيد
ذكريات صباها العذاب ، الى ان قالت :
«وهكذا ترى يا ابني ، ان هذه الشجرة
اعطتني كثيراً ، فليس بكثير ان احمل
اليها الماء كل هذه المسافة . لقد صليت الى
الله كي يبقيها لي ولكن يجب عليّ ان
اقوم بنصيبي وافعل كل ما استطيع
لانقذها ...»
... وفي اليوم الثاني ، كانت المرأة
العجوز ، تعالج السطل الكبير من جديد ،
على الطريق العام ، في الحر الشديد ،
كعادتها كل يوم . ولما قاربت الشجرة ،
رأت بعض العمال يعملون معاولهم حولها .
فاسرعت في السير وصرخت بالرجال :
- ابتعدوا عن شجرتي ، لا تمسوها !
- ولكن ... لدينا اوامر يا سيدتي .
- لا يهمني ماذا لديكم ...
- ولكن ، كل ما نفعله للشجرة ،
هو تخفيف التراب عن جذعها ، وريّها
بالماء الكثير من السيارة الكبيرة لكي
تتغذى وتتنعش !
- ولكن انا لم اطلب هذا ، ولا
اقدر ان ادفع النفقات ...
- لا بأس يا سيدتي ، فالنفقات
مدفوعة ...
- ولكن مَنْ ... من دفعها ؟
- «لم يذكر اسمه يا سيدتي» ، اجاب
العمال ...
وتركوها ، بعد ان انجزوا مهمتهم ،
منتصبة كالتمثال بجانب شجرتها ...
عيناها ملأى بالدموع ...