إن أشعة الأنوار المسلطة على المغنيةوالتي كانت تتبع حركاتها دون أن تضيءصوتها الكامد، أشعلت شرارة إلى جانبي.كنت متأكداً قبل هنيهة أنه لا يوجدأحد على المائدة المجاورة لمائدتي، وهاقد أطلت هذه الفتاة الآن وجلستبجواري وكأن أشعة النور قد سحبتهامن العدم.كانت شقراء ذات شعر متوهج،وكم بدا وجهها شاحباً تحت ضياء الشعر،وجه طفلة لم تتجاوز الثامنة عشرة.كانت لها عينان واسعتان، زرقتها قاتمة،وفم ذو شفاه بارزة قد ارتسم عليه ابتساممشوب بالحزن، ويخيّل إليك أن لا شيءيستطيع تبديد ذلك الحزن...ماذا جاءت تفعل هذه الفتاة اليانعةفي مثل هذه الحانة؟ ومن تنتظر يا ترى؟إن ما أثار دهشة الحاضرين أن كتفيهاكانا عاريين، أما ثوب السهرة الذي كانتترتديه فهو أبيض ناصع، وبسيط جداً،يجعل الناظر إليه يكتشف تقاطيع جسمهاالفتيّ المنسجم.لم أستطع تحويل طرفي عن هذه الجنيةالتي كانت ترتشف عصير الرمان بهدوء.كنت أنظر إليها بنهم شديد، ذلك النهمالذي نشعر به أمام الأشياء التي لا نستطيعأن نتملكها أبداً... ماذا سيحدث إذا ماذهبت؟.. ماذا أفعل إذا توارت عنالأنظار؟ كلا لا أستطيع احتمال هذهالفكرة! تقدمت من مائدتها ودعوتهاللرقص فنهضت دون أن تجيب. كانتخفيفة لدرجة جعلتني أشعر أني أتحركبمفردي في باحة الرقص، فكنت أضغطعلى جسمها الرقيق وكانت وجنتي تلمسخصل شعرها فأقول لنفسي بنشوة: إنهاحية حقاً، إنها بين ذراعي!ثم تجاسرت ودعوتها للعشاء فقبلتبكل بساطة شريطة أن أوصلها في نهايةالسهرة إلى المكان الذي تدلني عليه، كماأنها جعلتني أقسم ألا أحاول متابعتها..فوعدت وأقسمت وتهيأ لي أني أعيشقصة من قصص الجن الخيالية!طلبت منها تبديل عصير الرمانبالشامبانيا فرفضت ضاحكة، بيد أنضحكتها كانت مطبوعة بحزن عميق لمأتمكن من فهمه.حاولت كثيراً أن أسبر غور شخصيةرفيقتي طيلة السهرة، غير أنها كانتتجيب على أسئلتي بهذه العبارة: «وماالجدوى من ذلك؟...»لم أكن مرتاحاً، بل أحسست أناجتماعنا موهوم، وأني سأصحو من سباتيعما قريب، غير أني أرى كتفيهاالأبيضين، وشعرها الجميل وقلبها النابض..على مقربة مني، بل في متناول يدي.وفيما كنت أقترب من الفتاة، انصبقدح الرمان على ثوبها الأبيض على أثرحركة اضطراب بدرت مني فصاحتأورنيلا:- «آه! إن ثوبي قد تلوث، ماذاستقول جدتي؟»لم أعلم كيف أجعلها تغفر لي غباوتي،وعدت أن اشتري لها ثوباً بدلاً منه، بلعشرة أثواب... فضحكت وقالت:- «هذا لا يهم، يجب ألا نعكرصفو سهرتنا، قم لنرقص الآن لأني أحبالقطعة التي تعزفها الجوقة.»وجرفنا تيار الرقص السحري مجدداً.ساعات جذابة مرحة انقضت وكأنهاحلم... أو لم يكن حلماً ذلك الوجهالذي رأيته يشحب أثناء الرقص ثم يمتقع،ثم تعلوه حمرة الخجل؟. كانت أوهاميتدوم هنيهات معدودات كنت أشعرخلالها أن رائحة غريبة تطوّقني وتجعلالدوار ينتابني. فكانت عينا الفتاةتسائلني قائلة: «ماذا حدث لك؟»فأجيب:- «لا شيء، بل لامستني رائحةغريبة وكأنها لفحة ريح مصقعة، دعينيأفكر بشيء آخر...»