فأجابتني بصوت عاد اليه هدوءه :
- « لا شيء يخيفني الان ، تذكر
الوعد الذي قطعته على نفسك . اني أقطن
هنا ويجب ان تغادرني . »
كان يصعب علي ان اطيعها بيد اني لم
أجرأ على مخالفتها وفيما هي تبتعد سألتها :
- هل أحضر لرؤيتك غداً ؟
فتلفتت برهة وضحكت ضحكة
آلمتني وقالت :
- « غداً ؟ نعم غداً !! »
وتوارى شبحها النحيل عن نظري بين
الاشجار . بقيت مدة بلا حراك ، متردداً ،
ثم تنبهت لما أقدمت عليه من الجنون
وقلة التبصر وانطلقت راكضاً وأنا أصيح :
- « اورنيللا ، اورنيللا ! »
فلم تجبني الا حركة أجنحة الطيور
الليلية الهادئة وكأنها مراوح الليل ،
ناديت مرة أخرى ذلك الاسم الذي تنقل
بلا جدوى من غصن الى غصن ... ثم
اجابتني صيحة مشؤومة فاذا هي صيحة
بومة افاقت من نومها واخذت ترشقني
بنظرها الباهت !
عدت في اليوم التالي مسرعاً الى
الغابة . لم يتعذر علي معرفة المكان الذي
وقفت فيه البارحة ، فترجلت من سيارتي
ومشيت على الدرب . وبعد قليل ترأى
لي كوخ صغير بين الاشجار ، لا بد ان
الفتاة الرهيبة ساكنة فيه .
طرقت بابه الخشبي الكبير ففتحته
عجوز مرتدية ألبسة الحداد ونظرت الي
باستغراب ، فظننت انه قلّ ان يزور
احد هذه العجوز الوحيدة ، ثم قلت لها :
- « اتيت من اجل الآنسة أورنيللا ».
فرمقتني بنظرة جافة بعد ان هزت
كتفيها باضطراب . فاستأنفت كلامي :
- « ارجوك ، دعيني اراها لحظة !
لقد أوصلتها البارحة مساء الى هنا . »
لكن العجوز ظلت تحدق في وجلة
خائفة ، ثم قررت ان تجيبني وقالت برقة
حزينة :
- « تعال » وكم كانت المفاجأة هائلة
حينما تبعتها في الحديقة ورأيت قبراً تحيطه
ازاهير الحقل . فركعت الجدة وسالت
دموعها الصامتة على الطريق الذي شقته
لنفسها في خديها . اما انا ، فقد بدأت
افكك العبارات المحفورة على شاهدة
القبر وهي : « هنا ترقد اورنيللا ؟ ...
توفاها الله في الخامس والعشرين من شهر
ايار لعام ١٩٤٧ وهي في الثامنة عشرة
من العمر . صلوا من اجلها » .
ثم انتحبت العجوز قائلة :
- « انها حفيدتي ، ماتت على أثر
اصطدام سيارة في مفرق الطرق قبيل
الغابة وذلك حينما كانت ذاهبة لحضور
حفلة ساهرة راقصة لأول مرة في حياتها ».
أحسست بشيء من الاضطراب
وفكرت في امري : ها نحن في عام ١٩٤٨
فذلك يدل على ان فتاة البارحة غير هذه
الفتاة التي تدعى اورنيللا ايضا . وعدنا
ادراجنا الى الدار حزينين . فقالت لي
العجوز :
- تفضل لترتاح قليلا .
فلم ارفض . دخلت غرفة صغيرة
معدة للاستقبال فرأيت صورة فتاة ،
متصدرة على خوان وكأنها العذراء ،
وكانت تحيط وجهها المشرق ورود نضرة .
نظرت اليها بذهول فشحب لوني فجأة ...
فقالت مضيفتي : « ماذا بك ؟ » فأجبتها :
- انها هي ! الفتاة التي قضيت سهرتي
معها البارحة ! ... اني اعرف عينيها ،
ابتسامتها ، وحتى صورة فمها .. فاعترضت
العجوز قائلة :
- « انك مجنون ايها الشاب ! لقد
ماتت حفيدتي المسكينة منذ عام ...
وكانت البارحة ذكرى وفاتها الاولى !
ألم تر قبرها الان ؟ »
- « انها هي ... انها اورنيللا ... »
وكنت احدق في الصورة بعينين شاردتين .
ولكن الجدة هزت رأسها بحزن وقالت
ببساطة :
- « تعال لأريك تذكاراً حفظته
منها ، ثوبها الذي أعدته لحضور الحفلة
الساهرة الاولى في حياتها . »
فتبعتها الى غرفة مجاورة للمكان الذي
كنا فيه . ان أول ما لفت نظري هو
ان الغرفة التي دخلناها مهجورة بلا شك
منذ شهور . ان كل ما فيها باق على حاله
ولم تزل تعبق في جوها رائحة عطر
خفيفة ... كانت الجوارب الحريرية ملقاة
على كرسي هنا ، والحذاء الاطلسي
الصغير منشوراً تحت الخزانة هناك . تقدمنا
من السرير بخشوع وكان ثوب السهرة
معروضاً عليه منذ الليلة المشؤومة ، وكأنه
ينتظر الجسد الفتي ليلفه بين ثناياه لأول
مرة ...
وما كان من العجوز الباكية الا ان
رسمت اشارة الصليب وصرخت تقول :
- « انظر ! انظر !! لم يكن شيء
من هذا على الثوب البارحة ! .. »
واومأت لي باصبعها المرتجف الى
البقع الحمراء التي لوثت الثوب الابيض ! ..
٣٤
