أجرى المبدع الأزلي عمله الجبار، ووقف يتأمله، فإذا به يراه كوناً عجيباً، لا يحدّه إلا علمه الواسع، وخليقة متنوعة، لا يحصيها إلا خالقها العليم، كلها تسبّح بقوته تعالى وتنطق بسؤدد أعماله.
ولكن: ما دهى الإله، فالقلق سحابة تترقرق على محيّاه الوسيم، والحيرة تنشقّ عن سيائه البهية، وعدم الرضى يبدو في عينيه القدوستين؟...
تعال معي إلى زاوية من زوايا الفردوس نتعرف إلى السر، انظر!... ألا ترى المخلوق العجيب الذي مهره الخالق بأجمل ما لديه وأقدسه، صورة ومثالاً، وأراده أن يكون سيد المخلوقات جميعها، سيداً بكل معاني الكلمة، فسلّحه بالجمال البهي، وهل من سلاح أفتك من الجمال، وزيّنه بالعقل السديد، وهل من قوة أشد فعلاً من العقل، وسلّمه مفاتيح الفردوس، وهل من كنز أثنى من تلك الجنة الخضراء «تجري من تحتها الأنهار»؟
على أن هذا الكائن وقد أريد له أن يكون سيداً ينطرح واهي القوى في هذه الزاوية من زوايا مملكته اللازوردية، حزيناً كئيباً، لا يحس من نفسه القدرة على حمل أعباء السيادة، فيهوي، وقعة النسر المهيض متألماً جريحاً.
أيها الناكر الجميل، أهذا جزاء ما أوليتك من المواهب، أعطيك فتجحد، وأنعم عليك فتشقى، ماذا دهاك لتحزن في يوم يرتفع على جبينك تاج الملك؟...
تململ الإنسان، وتحامل على نفسه:
ربي لست للجميل ناكراً، ولا للنعمة جاحداً، إنما أشعر بنقص في كياني لا يسعني معه أن أكون أهلاً لما خلقتني له، فالجنة مع الوحدة جحيم، والسعادة شقاء، فهل لي بنعمة أخرى تتوّج ما وهبتنيه من النعم، وتبعث فيّ شعور اللذة بالجمال، وتفتح أمامي أسرار المعرفة؟...
ومنذ تلك الدقيقة كانت المرأة، وسلّمت مفاتيح مواهب رفيقها فإذا شاءت ألهبت فيه قوى العقل، الذي سُلّح به فأدى رسالته في الحياة كاملة وإذا أبت عاد من حيث أتى ولم يقدّم للحياة جديداً.
وبتقدم الزمن فإذا القوة الغاشمة تسيطر على الضعف وإذا المرأة تُقهر لضعفها وتُسلب نعمة التمتع بالروح، ولا تُذكر أسطورة خلقها، إلا بين آونة وأخرى مع عظماء البشرية ومصلحيها. فهؤلاء وقد فُتح لهم ما لم يُفتح لغيرهم، عرفوا أن القوة لم تقهر إلا نفسها، يوم قهرت المرأة، وأن تذليل المخلوق الضعيف خطّ المهانة بأحرف من الدم على جبين الرفيق القوي. فيثور المخلّص بتعاليمه الإنسانية على ظلمة الأجيال، ويبعث الأسطورة الإلهية من
لحدها، وينتصر لمحاولات الشعر، فيعيد إليهم الروحانية الوثابة، فإذا المرأة من جديد نافخة العبقرية في العقول وملهبة الحماس في الصدور، وإذا هي تستعيد دورها الذي خلقت له وتتبوّأ العرش الذي يسند لها.
هذا الكون واسع، والصحراء بعيدة ولا سبيل للأفكار الجديدة تتسرب إلى رمالها فتظل المرأة المسكينة بين طيات كثبانها، تُمتهن، إلا نادراً، فهي موءودة حيناً، وسبية أخرى، ومحرومة حق الحياة الحرة أحياناً، وأنثى يكون لها هذا الحق بالحياة، وهو يخضع لقوة السلاح، وهي أضعف من أن تنقل سلاحاً.
ولكن لا!... فها رمال الصحراء تضطرب للحدث العتيد، وها ابن عبدالله يغيب عن الأرض، محمول الروح على أجنحة الملائكة، ليعود حاملاً إليهن على كفه نصراً مبيناً، في آيات بينات ومنادياً بهن «المؤنسات المجهزات المربيات» ومعلناً أن لهن مثل الذي عليهن من المعروف، محيياً فيهن النفس والجسد معاً.
هذه الخطوات في الإصلاح كانت تنهض بالبشرية من كبوتها، وتمشي بها قدماً، ولكن إلى حين، إذ لا تلبث شهوة التعبد للقوة أن تنسي الأقوياء الدور الموقوف على احترام حق المرأة وتنسيهم أن هذا الاحترام هو رغبتهم الأساسية، وفيه غلبتهم الحقيقية. فأي عظيم رأيناه في التاريخ لم يكن مديناً بعظمته للمرأة، وأي عبقري لم يستمد عبقريته من طيات


