ثوبها ، وقد نوّه نابليون عن ذلك بقوله : « لم أر نابغة الا عرفت ان من وراء نبوغه امرأة . »
واذا تطلعنا اليوم الى مختلف دول العالم واستعرضناها دولة دولة رأينا انها تتفاوت قوة ورقياً بتفاوت تعزيز المرأة فيها ورقيها . وقد قال احد مؤرخي الفرنجة في معرض كلامه عن العرب : « ان المدنية العربية مدنية للحرية التي اعطاها محمد المرأة ، فلما سلبوها هذه الحرية ، سلبت منهم مدنيتهم » .
على ان هذه الدول اجمع ، لا تزال متفقة على محو المرأة من صفحة العدالة التي هي اسس الاستقرار الاجتماعي . فانفراد القوة في سن الشرائع سيترك الانسانية بعدُ ، اجيالاً طويلة اخرى تتخبط في الحروب وويلاتها وتذوق من شرورها طعم المرارة والحرمان . وتتشكل بسببها أعزّ ما ولده الفكر البشري في تاريخه التطوري الطويل . مع ما في ذلك من قلة
عدل ومن استئثار ، فكيف يسن هو وحده الشريعة مع انها تشاركه هي بنتائجها حسنة كانت او سيئة ، هو يعلن الحروب وهي تزحف معه تحت اعبائها الثقيلة ، هو يضع القوانين وهي تتحمل معه تبعات ما ليس منها بصالح . فما دامت القوة التي لا تتعرف الا الى شريعة التغلب والمطامع الدنيوية تنفرد في هذا الامر غير فاتحة مجالاً لحنان الأم يلطف من جشع الأب ولا ملتفتة الى دمعة الاخت تقلل من نزق الاخ ، ولا آبهة الى لهفة الزوجة لتحدّ من شوكة الزوج ، نعم ما دامت هذه القوة لا تأخذ بعين الاعتبار هذه الاحساسات الانسانية الطيبة ، فكيف لها ان تصلح لتكون رائداً الى القناعة وفيها الغنى ، والى الطمأنينة وفيها السعادة . وانّى لها ان تصل بالسفينة البشرية الى مرافي السلام الآمنة ؟...
اذكر حادثة عن امرأة تسنى لها الفصل في الخطاب بمثل هذا الموقف ، وكان
قد ألقي إليها بكتاب من سليمان ، فاذا بالرجال من حولها ينتفضون لهذا التحدي، ويتسابقون لتقديم سلاحهم في سبيل نصرتها ، وينادون بأحمس الاصوات نحن فداء المليكة ، « ونحن اولو قوة واولو بأس شديد والامر اليك فانظري ماذا تأمرين » . فكان جوابها بسمة وتهدئة خواطر وارسال هدية وقولاً : « ان الملوك ان دخلوا قرية افسدوها وجعلوا أعزّة اهلها أذلّة وكذلك يفعلون » .
وهكذا فضلت بلقيس ملكة سبأ إعمال العقل ، ولذا سُلّح الانسان بالعقل وليس لاجل ابتداع الشرور ، نعم فضلت اعمال العقل والروية والاذعان للحق اذا ما وجدت بالدعوة حقاً ، على التسلح بالقوة على انها عندها موفورة ولكن لم تلجأ اليها وهي خابرة الديار سيّان انجلت عن نصر او عن انكسار ، فكان ان
( البقية على الصفحة ٤٩ )

