من رسالة بعثت بها سيدة من بلاد الغربة الى ابنتها قالت : « انا اليوم كشجرة عرّاها الخريف، فوقفت وحدها تجابه الاعاصير وليس فيها من الحياة غير بقية ماء تجري في عروقها ... ويوم ينهزم الشتاء وتتفتح براعم اللوز والمشمش، سيعود الشباب الى الشجرة العارية، وتعود الحياة من جديد، تدب في كل فرع من فروعها، اما انا فكل يوم آخر من ايامي يقرّبني من خريف اكثر جدباً وأشد عتمة ... من اجل هذا دعوتك، فتعالي اليّ ولا تتركيني بعيدة او فابعثي اليّ بأحد اطفالك ليؤنس وحشتي، فالحياة ثقيلة، لا أرى لي حاجة بها بعد . »
هذا ما كتبته تلك السيدة الى ابنتها، في ساعة من ساعات ليلها البهم، اذ احسّت بالوحشة الكئيبة جاثمة على صدرها، فتفقدت احبابها، ومن تردد ذكره في خاطرها ... فاذا بها بعيدة عنهم جميعاً. شقّ عليها الامر، فجاءت تطالب بهم وتلحّ، معبّرة عمّا يختلج في قلبها من خوف وقلق ... وما عساها تخاف هذه السيدة وعيشها مؤمن، وحياتها مرفّهة سعيدة ؟!
الشيخوخة ـ تلك السلخة الباردة من اخريات العمر، فلا دم الشباب ينبض حيويّة وحرارة ولا الحياة هي هي .. شيخ مهدّم، غالبه الحياة وغالبها، خبر ضحكها وبكاءها، سعادتها وشقاءها، خيرها وشرّها، وها هو الان على شفيرها واقف، تضطرب قدماه من تحته، وفي مظهره معانٍ للهزيمة والانكسار ... فراغ في فراغ ... فهل من سبيل الى مساعدة هذا الشيخ ؟ كيف نملأ الفراغ في حياته ونغني ايامه ولياليه باللذة والإيناس ؟ كيف نعيد الربيع الى خريف حياته، والزهر والثمر الى شجرته العارية ؟!
نظرة معنّة، نلقيها على وجه شيخ او شيخة، تروي لنا الف حكاية عن هذه التي يسمونها « وحشة »، فهي في عينيه تزوران الى ما وراء المنظور، وهي في العقدة المعقدة تصل ما بين حاجبيه، وهي في التجاعيد العميقة حفرتها السنون على جوانب فمه، وحول عينيه، وهي في علامة الاستفهام مرتسمة على وجهه في الف معنى ومعنى !
اجل، نحن نحسّ ان هنالك مشكلة اجتماعية حسّاسة تكتنفنا وتعيش معنا، ولكننا لا نكلّف انفسنا عناء التفكير لايجاد حل لها ... ونعلق على شيخوختنا اهمية كبيرة، لاننا نريدها هنيئة، لا يعكر سكونها هبّة ريح، انما لا ارى اننا حتى الان اصبنا شيئاً من النجاح. ذلك لان دراستنا والمامنا بهذه الفترة الدقيقة من حياتنا ما يزالان محدودين، وما تزال معالجتنا لهذه الامور معالجة سطحية تسوقها العاطفة فحسب، والعاطفة وحدها لا تكفي لانها عمياء.
ان الواحد منا، يوم يخرج الى العالم يبني مستقبله ولآخرته. غايته قبل كل شيء تأمين الناحية المادية. وهو في معظم الاحيان يُغفل الناحية الروحية ومن هنا تتسرّب الوحشة الى افق حياته. وهل الوحشة غير جوع روحي، ان لم نتسلح ضده سطا علينا واكتسحنا بأجنحته السوداء، ومقابضه القوية ! وهل سلاحنا غير تلك الصداقات الغنية بقيمها الروحية، غير صديق قريب الى نفسنا، يشاطرنا احاسيسنا وذكرياتنا، ويغوص معنا الى اغوار هذه الذكريات في ابعاد الماضي السحيق ؟
ان صديقاً صدوقاً، يدخره المرء لايام الشيخوخة الباردة هو اكثر ما يطرد الوحشة والسأم، ويبعث البهجة والسرور الى قلب الرجل الكبير. من اجل هذا يتعلق العجائز باصدقائهم، ويحرصون على الاحتفاظ بهم ويحزنون لفقدهم.


