وان حصاناً او كلباً ، يرافق صاحبه
ويعايشه حتى سنيه الاخيرة ، يكون
عزيزاً على قلبه ، مؤنساً لسأمه ووحشته ..
والسنديانة العتيقة في طرف القرية
حبيبة غالية على قلوب شيوخها ، فانها ،
اذ تنشر اغصانها في الفضاء ، كأنها تفتح
ذراعيها لتغمرهم بمحبتها وحنانها . وهي
فضلاً عن هذا ، تبدو كأنها تعرف عن
اخبارهم وحكاياتهم اكثر من اي انسان !
والمهاجرون في الاصقاع البعيدة ... لكم
في قلوبهم الملتاعة ، من حنين قوي الى هذه
الشجرات العتيقة التي شهدت معارك
طفولتهم ونزوات صباهم وشبابهم ، الى
آخر ما في هذه المعارك والنزوات من
روعة وبطولة وانسحاق ... وهم
يحملون لها من الشوق والحنين ما لا
يحملونه لاهلهم ولا لترابهم ...
ولا اقصد ان اقلل من قيمة الكتاب ،
باغفال ذكره حتى الان . وأي شيء
كالكتاب ؟ فهو الصديق الانيس ،
والحفيظ على العهد ، يوم يتخلّى الاصدقاء
او يتفرقون . فالمطالعات ، ثقيلة وخفيفة ،
وفي شتى الالوان والمواضيع ، هي من
انشط الاسباب التي تطرد الوحشة وتنفي
السأم . فمتى شعرت ان اصابع الوحشة ،
بدأت تدغدغ اجفانك ، حائلة دون هني
منامك ، دونك والمطالعة فانها الدواء
الشافي ، ولا تنسَ ان في وسعك ان
تختار منها فقط ما يروقك مطالعته وتحلو
لك وعندئذ تجد انك انتعشت .
ان وحشة الشيخوخة هي من مشاكلنا
الاجتماعية الدقيقة التي يجب ان نتناول
معالجتها بكثير من التحليل النفسي ، مع
مراعاة حساسية الكبار واحترام سنيهم ،
والتسامح معهم على امور طفيفة عابرة .
وأرى ان المُسنّ ، على شدة اهتمامه بالمادة ،
تبقى الناحية العاطفية حاجته الاولى ،
وكل ما يمس احساسه من هذه الناحية
يحمله على الوحشة والكآبة .
ودواء هذه الوحشة ، والسبيل الوحيد
الى شفائها هو الادخار من تلك القيم
الروحية العميقة ، من صداقات انسانية
او غير انسانية ، ومن مران على المطالعة
المنشطة والتسلية باعمال خفيفة - في جوّ
عائلي دافئ ، تفرحه مناغاة طفل صغير ،
وترفرف فوقه ملائكة الحنان والمحبة ...

