«للغرباء من أبناء لبنان، لهؤلاء المشردين في الأرض، خلف البحار السبعة.
لهؤلاء تقول البلابل الحمراء: عودوا أيها الغرباء إلى البيوت المهجورة، إلى الأرض البور، إلى النور والفرح والشمس في بلادكم.»
... وماذا بعد يا بلبل؟ماذا؟ عن ضيعتي البيضاء، التي تغرق في النور؟.. أفي منقادك الأحمر، حبة من ترابها؟ حبة واحدة يا بلبل،ألقها على شبّاكي؟!وهل فيه ورقة خضراء من سندياناها؟وهل مرّغت جناحيك بأطياب ورودها ونرجسها؟وحنجرتك؟ أفيها من غناءات صبايانا يا بلبل؟كيف غابة النرجس؟هل بعد فيها، من ذات الفستان الزهري، ما فيها؟ماذا يا بلبل، عن ضيعتي؟فرفّ البلبل، الذي على شبّاك غرفتي، بعينيه، يهمّبالبكاء ...كان جناحاه مبتلّين من نفائف الثلوج.في العاصفة، جاءَ إليّ من الجبل!عرفته من منقاده الأحمر.هذا من بلابل ضيعتي،في ضيعتي تعيش البلابل ذات المناقيد الحمراء.
*
ويا بلبل ...سألتك، يا ذا الحنجرة الذهبية بالغناء الذي فيها؟باسم الخضرة والحمرة، والألف لون ولون.بالشقائق الحمراء، التي تُميل أوراقها على لمسة الندى!ونرجس الغابة، التي لقيتني مرة فيها، أنا وذات الفستانالزهري ...وتلك الياسمينة على بوابة بيتها ... تلك الخيمة الخضراء منالياسمين الأبيض.يا ذا المنقاد الأحمر ... حدثني عن ضيعتي ...عن تلك الحفافي!!هل نبتت فيها الورود البرية؟وهل طلع «بخور مريم» في الصخور؟وهل اخضرّت أوراق السنديانة الكبيرة، في كرمنا، علىالدرب ...... وبيت الحبيبة، هل انفتحت شبابيكه المغلقة، وشرّعتدرفاتها في النور؟عن النجوم ... والقمر ... ودروب القمر والنجوم هناك ...فرفّت عينا البلبل، رفيفاً موجعاً.وكأن قلبه طفح من عينيه، فانفلت من غصن الشجرة إلىحديد النافذة ...ولفّ جناحيه على منقاره.وسمعته يتهامس بأغنية «المرايا المنطفئة»غنّاها على شبّاك غرفتي ...كانت كأنها الضوء الذي تهاوى فيه الشعلة الأخيرة ...وكأنها من خيطان القمر في ضباب الغيوم.ومن لهاث الطيب في الوردة قبل أن تموت.وكانت، كأنها جنازة في عرس:سمعت البلبل يتهامس:«... في الربيع ... حينما تطلع الزنابق على التلة.وتنتشر الأطياب في التراب.... في الربيع ... حينما يعود الحب إلى غابة النرجس ...في غد ... تكون البلابل الحمراء في ضيعتكم، قد رحلتإلى أمكنة بعيدة بعيدة ...لن يبقى بلبل واحد، في تلك الجبال، يعرف الغناء ...لمن تغنّي البلابل، في ضيعتكم، وما في ضيعتكم بعد غصن تحطّعليه البلابل؟وما فيها بعد، خصر صبيّة يغمر الزهر أو يغمره الزهر.وما عندكم بعد، أنف يستطيب الشم.ولا يد تعرف القطف ...ولا بعد، فم يتذوق الطعمة الطيبة في الفم.وما في ضيعتكم بعد، عروة قميص أبيض، تعرف كيفتشكّ زر الورد الأحمر.ولا عنق أبيض يموت عقد الياسمين على بياضه ...لمن تغنّي البلابل في ضيعتكم، ودروبها، لا يغنج فيها قوام،ولا تتوجع عين على حبيبة ..