لمن تغني البلابل في تلك الجبال ؟
وما فيها بعد ، فتى تنسرح حنجرته في مدة غناء ...
رعيانكم ... تلك الحناجر البرية لم يبق لهم اصداء في تلك
الأودية ؟
خيمة الياسمين ، تلك ، تيبس يباساً موحشاً .
ومساكب الورد الجوري هناك ، هرّت على التراب ..
وشبابيك بيتهم الغربي ، ما تزال مقفلة ، بعد ان راح اهله
مع البحر ...
والليل عندكم ثقيل .. تطلع النجوم ، ويطلع القمر .
فلا النجوم ، في سمر العشايا ، ولا القمر .
وفي غد ، تركب البحر ، قافلة أخرى من شبابكم وصباياكم ..
وتنقفل شبابيك بيت آخر في ضيعتكم الى الابد ..
وتبقى الليالي ، وحدها ، موحشة .
وتبقى عجائزكم ، تشيع عيونها على البحر ... تلمس ايديها
الاسرّة المهجورة ..
بعضكم في البحار السبعة ، وراء القصور المرصودة ..
وبعضكم هنا ، عينه على البحر دائماً .
وبعضكم في المدينة العمياء ، التي لا تسمع ولا ترى ، يزحف
وراء القرش البغي والرغيف الاسود .
وماذا لكم في ارض الغربة ايها الغرباء ، غير لوعة الغربة
ومرارتها ..
ولكم بعدها ، شبر من الارض تشترونه بالمال ، قبراً غريباً
لانسان غريب .
وتسألني ! ماذا في ضيعتكم .
وتسألني ، ماذا عن ضيع لبنان ، تلك الزمرّدات الغاليات ،
المعلقات في الاعالي ..
وماذا غير الخراب !
وماذا عن بلد ، لن يبقى فيه غير اكوام من الشيوخ
المنحطمين ؟
ولو ان للبيوت المهجورة ان تقول ، لقالت ..
لمَ عمّرتوني للخراب ؟
ولو ان للارض البور ان تقول ، لقالت :
لمَ تركتموني لليباس ؟
ولو ان للقبور ان تقول ، لهتفت القبور :
عودوا ايها الغرباء ، الى ترابي .. فلن تطمئن عظامكم في
ارض غربية » !
★
وكأني سمعت في بحّة البلبل شهقات امهات ضيعتي في ساعات
الوداع ..
وكأني رأيت تلويح المناديل البيضاء ...
وكأني ...
- إذن يا بلبل ، لن تهتف البلابل على طلّة الشمس من وراء
جبالنا العالية ؟
ولن تشيع الفرحة في ضيعتنا .
وإين تهتف البلابل الحمراء يا بلبل ؟
فمد البلبل منقاده الأحمر .
وهمس ...
ضيعتكم التي على التلة البيضاء مرآة تنطفئ ...
ولمن تغني البلابل في القرى المنطفئة ؟ ؟
٤ آذار سنة ١٩٥٠

الامومة الكاملة عند اليونان :
« أنها كالتمثال في قوامها تفيض طهارة وعطراً ...
أنها تمثل الحكمة والسكون والصحة » .
١٩
