الطفل زهرة اوراقها مغلقة على ذاتها فان أتت عليها الرياح قوية ذرت اجزاءها ونثرتها هنا وهناك او ان اصابتها الشمس بلفحها المحرق، قضت عليها في المهد وقبل ان تتفتح للعيش ويرى قلبها النور فينبض بالحياة ويرفه بالسعادة. ولكن هذه الزهرة تنبت وتنمو في ارض الناس تحت رعاية كل عين ساهرة وفي ظل كل جناح حامٍ، وارضهم ليست من الخصب كأرضنا ولا في شمسهم ونسيمهم من الحرارة والحياة كتربنا وهوائه، فلماذا اذاً تظهر زهرتنا وفي عينها الذبول والشقاء وفي ورودهم الحيوية والحبور؟ اطفالهم سعداء واطفالنا تعساء.
وهنا لا اقصد اقلية الاطفال الاغنياء بل اطفال الامة في مجموعها - اطفال العامة والخاصة جميعاً. تعالي معي ايتها القارئة الكريمة لتلقي نظرة عابرة على بعض ما يحفل به طفلهم من اهتمام الانسان ونقابله بما يحفل به طفلنا من نكرانه وعدم مبالاته!...
كنت ابحث في مناطق مختلفة من اوروبا ان في شمالها في السويد والدانمرك او في غربها في لندن وفي وسطها في فرنسا وسويسرا وفي جنوبها في ايطاليا - كنت ابحث في كل هذه المناطق عن طفل، التحف الارض وعشعشت الحشرات والاوساخ فيه فلم اجده هناك، بل وجدت عوضاً عن ذلك، الدور والملاعب المشيدة خصيصاً له ولمستقبله. لندخل «هايد بارك» وحديقة «كنسجتون» في لندن او «اللوكسمبورج» في باريس وغيرها من الحدائق العامة في غيرها من المدن والبلاد، نرى معظم رواد هذه الحدائق - وخاصة في النهارات المشمسة - من الاطفال بصحبة والديهم او مربياتهم يلعبون على العشب الاخضر ويرحون مالئين الدنيا زقزقة، ولا زقزقة العصافير وبهجة ولا بهجة الازاهير. هناك جماعة تلاعب كلباً صغيراً فيتسابقون وإياه، والجائزة الكبرى قطعة من الحلوى للكلب، او للطفل، صاحب الحظ، ذي السيقان السريعة. وفي زاوية اخرى عدداً استهوتهم المياه فقاموا يبحرون فيها زوارقهم الصغيرة ذات الاشرعة البيضاء او البخارية السريعة؛ وما اسعد ذاك الذي يصل زورقه قبل الآخر وكأن جاذبيته الشخصية قد عجّلت من سير الشراع ودفع الريح له. تلك حدائق خاصة بهم فيها كل وسيلة للتسلية والاستفادة معاً. ففي احدى زوايا «كنسجتون» مثلاً حديقة صغيرة فيها بعض الماشية على اختلاف انواعها يعمل الاطفال على تقديم العشب او قسم من الكعك والحلوى التي يحملونها الى هذه الحيوانات الاليفة مع صغارها فيتعلم الصغير، الكثير عنها وعن الرفق بالحيوان منذ نعومة اظفاره كما ينمو شجاعاً ويفهم بان الذي لا تؤذيه لا يؤذيك ...
وما اكثر ما ترى الاجداد مستلقين على كراس خاصة في الحدائق العامة الفسيحة وحولهم زهرات انسانية يانعة منكبّين على شيء لا تستطيع معرفته الا عندما تقترب منهم وهو كتاب ضخم فيه صور ملوّنة جذابة، وراء تلك الصور معانٍ ودروس تهذّب الطفل وتصقل اخلاقه فتهيّؤه للرجولة وللوطن كما تسلّيه وتمتعه. فأين الكتب الخاصة بالاطفال عندنا؟ وأين المكاتب الخاصة بهم التي أسست في بلاد الناس خصيصاً لهم تحتوي بالإضافة الى المئات من الكتب الموافقة لكل جنس وسن - هناك الصور المختلفة واوقات معينة لعرض بعض الصور المتحركة ذات المواضيع الثقافية العديدة والتي لا تخلو في الوقت نفسه من عنصر التسلية!!...
وفجأة يحمل لك الهواء موسيقى سماوية صادرة عن تلك المجموعات الجدية التي اتخذت المطالعة تسلية لها. وما اجملها من موسيقى صادرة عن قلوب صغيرة نقية! وكم يندهش الزائر لمتحف من المتاحف او لقاعة من قاعات الموسيقى حين يجد أماً تصاحب اولادها فتقف معهم الوقت الكافي امام اللوحات الفنية المختلفة مظهرة لهم نواحي الفن والجمال فيها بلغة وباسلوب يستطيعون فهمه وادراكه - وما اجمل الاولاد وهم مأخوذون بسحر النغم وكل ملامح وجوههم تدل على جهد للفهم وغبطة. فهل يمكن لمثل هؤلاء الاطفال ان يعرفوا منذ الصغر معنى التعاسة ووجه الحياة الاسود؟ فلماذا لا نهيء لاطفالنا مثل هذه الامور التثقيفية والمسلّية؟ لماذا نحرمهم من الحدائق العامة والمنتزهات الخاصة، ومن المكاتب والمتاحف الخاصة بهم لنلقي بهم في الشوارع وعلى حافات الطرقات وبين الاوساخ؟ لماذا لا نحضّر لهم ألعاباً ووسائل لتمضية الوقت غير التسلق على جانبي القاطرات معرضين ارواحهم للموت واجسامهم للبتر والتشويه ونفوسهم للاجرام؟ أليسوا ابناءنا ورجال

