مستقبل وطننا ؟!! فاذا كنا لانهم بأمرهم فلماذا نأتي بهم الى الحياة اذاً ؟؟ ولماذا لا يفكر الوالد بقدرته الاقتصادية على اسعاد ولده ، قبل ان يضاعف عددهم ، فينوء تحت عبء الحصول على قوت لهم وتهذيبهم كما يجب ؟
للطفل شخصية يجب ان تحترم ، وله علينا واجبات يجب ان تؤدى له والا نكون مجرمين لوضعهم في حياة ، ليست لهم ، وحملهم على اشياء ليست من طبيعتهم . ايها المسؤولون : هيئوا لاطفالكم واطفال هذه الامة التي في اعناقكم ، ملاعب لهم ودوراً خاصة بالاصحاء وغير الاصحاء منهم ! اجعلوا التعليم اجبارياً فتكون المدرسة هي مكان قضية اوقات النهار للاولاد لا الشارع والاوساخ ! وسعوا افكار العامة من الاهالي بان الاصلح لفلذات اكبادهم ، العناية بهم والاهتمام بشؤونهم بانفسهم لا تركهم للطبيعة والطرقات ! فالطبيعة النظيفة تقوم بعملها خير قيام ، ولكن متى دخل الانسان في سيرها افسدها وغير مجراها ! والطفل الملقى في الشارع ليس طفلاً بل وليس حيواناً لان الحيوان يعرف بغريزته صالحه ويسير نحوه بينما يجهل الطفل ذلك .
طفلة صغيرة لا يكاد يكون سنها اكثر من ثلاث سنوات وضعت قطعة الورق الباقية بعد أكلها الشوكولا في جيبها قائلة بانها لن ترميها على الارض بل في الصندوق الخاص بذلك حالما تصل الى احدها . هذه فتاة تعودت على النظافة وقواعد الصحة وحب الغير منذ نعومة اظفارها ؛ فأين هذه من اكثر اطفالنا الذين لا يرون امامهم سوى اناس لا يرمون على الارض بقطع ورق الشوكولا فقط ، بل بأرطال الاوساخ والحضار ؛ وليس اطفالنا المسؤولين اذ انهم يرون الكبار يفعلون ذلك فيقلدونهم ... قل
لي بربّك هل تستطيع ان تؤكد لي انك خرجت مرة من بيتك وقصدت الى مكان آخر فمررت في طريقك دون ان يصيبك وانت في الشارع رشاش البصاق ان في الترام او على الارصفة والطريق ؟!
كنت اسير مرة في شارع من شوارع لندن المزدحمة وعلى جانبيه بيوت للسكن - والشمس في العاصمة البريطانية نادرة ولو في الصيف - كان الطقس جميلاً يومئذ والشمس مشرقة ولكنها على ما يظهر لم تدخل احد المنازل هناك فلم تشأ ربة المنزل حرمان طفلها من حرارتها وأشعتها النافعة لصحة وليدها فوضعته في عربته الصغيرة واوقفته قرب باب المدخل وهي على يقين بانه لن يحصل لابنها شيء من الخطر ولكنها خشيت امراً واحداً وهو ان يتحبب المارّون لطفلها فيعطونه شيئاً للأكل ، لذلك كتبت ورقة كبيرة وعلقتها فوق العربة على جدار السور المحيط بالمنزل : « الرجاء عدم اطعامه - شكراً ... ! » وما كان اجمل ذاك الطفل الرضيع يتمتع بنور الشمس وكله اطمئنان وبهجة ظاهرة على محياه . فهل تستطيع امهات اطفالنا ان تؤمن على حياتهم الى هذه الدرجة ؟! ان الانسان البالغ ما عاد يؤمن على حياته في شوارعنا هذه الايام فكم بالحري اطفالنا ؟!
ليست بيروت باكثر ازدحاماً من اية عاصمة من العواصم الاوروبية ومع هذا ترى السيارات الكثيرة تسير بانتظام تام وهدوء مطلق وليس هناك من رقباء . وعشرات الدرك منتشرون في الشوارع والانوار الاوتوماتيكية تلعب دور شرطي المزور والشعب المهذب والناشيء على النظام يحترم القانون ويقدّسه فلا يجرؤ على خرقه ولو كان بدون رقيب . وهكذا يستطيع الولد ان يسير في الشارع فيذهب الى المدرسة واهله على يقين من سلامته وحياته . وكم من مرة اوقفت
ارتال السيارات لتدع طفلاً او امرأة وطفلها يعبرون شارعاً مزدحماً .
عودوا اطفالكم على النظام وطبقوا ذلك مثلهم ليتخذوكم قدوة حسنة . وقد حدث مرة في سويسرا ، ان وقفت سيارة الاوتوبيس دقائق تعدّ كثيرة بالنسبة لاهميتها عندهم ، وكانت الغاية من ذلك لطلب طفل وصل الى محطة بيته ولم يأت قاطع التذاكر اليه فناداه واعطاه ما عليه دفعه ثم نزل ... فأين اولادنا من هذا ؟ واين رجالنا الذين يركبون عند مداخل القاطرات وعلى شبابيكها تهرباً من دفع الخمسة غروش وتوفيراً لها ؟!
فيا ابناء الوطن : خذوا على انفسكم مهمة تهيئة جيل مهذب صحيح البنية ، كامل التربية ، وصحيح العقل . احترموا الاطفال وهيئوا لهم وسائل عالمهم الصغير الذي يجب ان يكون لهم جوّ خاص غير جوكم ومحيط معين غير محيطكم . الطفل لحديقته ولمعهده لا للشارع والاجرام ... الطفل لحياة مطمئنة هادئة لا للصخب والفوضى ... فان انتم لم تتمتعوا بطفولة سعيدة فهيئوا ذلك لاولادكم تسعدون بسعادتهم وتفخرون بهم ... أليسوا اكبادكم تسير على الارض ؟!

