... حدث ذلك عام ١٨٦٦ ، في مدينة نيويورك ... اذ كانت عربات الخيل شائعة الاستعمال دون سواها من وسائل النقل . وفي زقاق ضيق يجفل الحصان ويجمح بإباء ، تحت سوط الحوذي الشرس ينهال عليه ضرباً وشتماً كان قلبه فذّ من صخر ، او كأن ليس له قلب !
وفجأة يعكس ضوء الشارع من بعيد ، خيال رجل بلباس انيق فيزجر سائق العربة بلطف قائلاً :
- يدك يا صديقي عن الحيوان ولا حق لك ان تعامله هذه المعاملة الفظة !
- لا حقّ لي ، ان اضرب حصاني ! من قال هذا ؟
وانهال السوط من جديد على جسم الحيوان الضعيف بوحشية .. فما كان من الرجل ذي اللباس الانيق الا ان اشار الى شرطي كان ماراً ، وطلب اليه القاء القبض على الحوذي بتهمة « القساوة على الحيوان » .
وفي المحكمة ، دفع الحوذي جزاءً نقداً قيمة عشرة دولارات وهو ما يزال يتمتم شيئاً عن تدخل الناس بشؤون الناس الخاصة ! ... وان ما شأن هذا الرجل به وبحصانه !!؟؟
وكانت هذه الدولارات اول ما دخل الى صندوق « جمعية الرفق بالحيوان » التي اسست في تلك السنة ... ولم يكن ذلك الرجل الانيق سوى مؤسس هذه الجمعية السيد هنري بيرغ ...
كان هذا من نحو ثمانين سنة ، اما اليوم فالناس ألين معاملة للحيوان الضعيف
وهم على يقين ، بان المخالف لهذه القوانين تناله ايدي افراد الجمعية حيثما كان ...
كان « بيرغ » ذا ثقافة عالية . عينه ابراهام لنكولن سكرتيراً اولاً للسفارة الاميركية بيطرسبرج . وفي مقر وظيفته الجديدة احس احساساً صادقاً ان رسالته في الحياة هي فوق الوظيفة ، هي في الحقل الانساني ... وقد اوحى اليه هذه الفكرة حوذي روسي ، رآه بيرغ مرأى العين ، ينزل بسوطه الغليظ على رأس الحصان الضعيف حتى يذلّه ركوعاً جبراً !!
... وما كان من « بيرغ » ، الا ان قفز من عربته الرسمية التي تخص السفارة وانتزع السوط من يد الحوذي ، ومن غير وعي ، انهال به على كتفيه ، على ساقيه وعلى كل جسمه ، انتقاماً للحيوان المسكين .
... وفي ذلك اليوم استقال بيرغ من وظيفته في السفارة ، وركب البحر عائداً الى نيويورك حيث اسس جمعيته
التي كتب لها ان تعمّ العالم ، بوقت قصير ...
... وظن الناس ، ان هذا الشاب الانيق ، انما يرمي من وراء عمله هذا ، الى الشهرة والمجد ... الى ان جاء يوم اجرت فيه باخرة مشحونة بالسلاحف - وكان معظمها في حالة تفتت القلوب ، بين الميتة والحية ، تعاني جراحاً عميقة ، تخفق بدمائها ... وعلم بيرغ بالخبر ، فطلع الى المركب واقتاد الربان الى المحكمة وهناك جرت محاكمة طويلة ، كان المدافع عن الربان يحاول ان يثبت بان السلاحف ليست من الحيوانات التي يشملها القانون !
- وهل هي من النباتات ، ام من الجدد ؟! قل بيرغ ...
وخسر بيرغ الدعوى ، لكنه ربح الشيء الكثير ... اذ طلعت جريدة « Herold » وقد خصصت ستة عواميد كاملة لدعوة بيرغ ... وفي اليوم التالي


