مدّ الليل رواقه على جوانب المدينة فهدأت كل نأمة وأوت النفوس المتعبة الى مراقدها فراراً من تعب النهار وصخب الحياة.
في ذلك السكون المروّع سمعت ليلى حفيف أثواب تلامس باب غرفتها فعلمت أن أختها تنتظرها وأن الوقت قد حان للرحيل الى المكان الموعود. فتسللت من فراشها بخفة وحذر بينا كان زوجها غارقاً في لجة الأحلام المغرية يتمتم بعض كلمات فهمت منها أنه يناجي طيف صديقتها مليحة. مليحة ابنة الجيران التي فتنته بدلالها وجمالها وقلبت حياتها جحيماً بعد أن كانا ناعمين مطمئنين.
كانت هذه الكلمات سهماً مصوّبة الى قلب ليلى لم تستطع نزعها فحبست أنفاسها وللمت حسرتها خشية أن يسمع حسني تهدّها فيستيقظ. ومشت نحو الباب وهي تلتفت الى الوراء لتلقي على زوجها الشاب نظرة ملؤها العتب والحب والأسى. ولما خرجت جعلت تناجيه من ثقب الباب قائلة: الوداع يا حسني ما كنت لأخرج من لدنك في مثل هذه الساعة لولا أن صوتاً لا أعرف مصدره يجيب في أن أمضي الى حيث أمضي وقد تكون هذه مشيئة الأقدار التي يضيع
المرء في مجاهل أسرارها فيقف من دونها موقف الأعمى من البصير. لقد اتهمتني بالرجعية ونسبت اليّ الجهل والجمود وعبت عليّ ورعي وتقواي وأنني بعيدة عن روح العصر فلا أراقص أصحابك ولا أحضر مجالسهم وأنفر من السير معك حاسرة الرأس عارية الذراعين، وغير هذا من مظاهر المدينة الفاسدة التي اتخذتها ذريعة للتخلص مني وحجة للزواج من مليحة. ولكن الأيام لن تصفو لكما ما دمت أنا صاحبة الحق في حبك. وها أنا راحلة عنك أبحث عن الدواء الذي وصفته لي النساء لعلي أصلح به ما فسد من أمرك، ولأجرعنك كأسه مترعة مهما كانت مريرة.
وضاعت روحها في رهبة الفراق وغمرة الأسى لولا أن جذبتها أختها من ثوبها فغادرتا البيت قاصدتين إحدى القرى المجاورة حيث تقيم العرّافة الشهيرة أم شاهين، التي تهزأ بعقول النساء فتبيعهن العقاقير والطلاسم والتمائم على أنها خير دواء وخير رقية لشفاء أمراضهن ونفوسهن. وغدتا في السير وهما لا تريان إلا آلاف الشموس والكواكب الحائرة ولا تشهدان إلا أشباح الأشجار وظلال الغياض المنتشرة على جوانب الطريق.
وما كاد الفجر يبتسم عن ثغره الوضاء حتى اجتازتا تخوم المدينة وهناك لاح لها عن بعد شبح يقود دابتين فتبيّنتاه فاذا هو مسرور خادم ليلى ينتظرهما فلما دنا منهما فرحتا به فسألته ليلى أوعلم حسني بمجيئك؟ فأجاب: أنّى له ذلك وقد أقسمت لك على كتمان هذا السر؛ فابتسمت ليلى وربتت على كتفه ثم اتجهتا على دابتيهما نحو المكان المقصود ومسرور في ركابهما، فلما عرضت لهما آثاره أنكرتاه ثم جعلتا تدوران بصرهما حول أبنيته تبحثان عن كوخ العرّافة فلم تجدا له أثراً، فتولاهما العجب وساورتهما خواطر عدة. وفيما هما تفكران وتقدران إذ انحسر أحد الأبواب عن رجل قصير القامة ضخم الجثة قد غيّب جسمه برداء أسود سابغ فتقدم نحوهما متمتماً: «طريدة ساقها الدهر إليّ».. فلما دنا منهما أوجستا خيفة فقال: ما الذي جاء بكما الى هذه الأرض؟ قلنا لا شيء، فقد ضللنا الطريق فنحن نقصد أحد الأديرة لنفي بنذرنا. فضحك ضحكة خبيثة وقال أنا صاحب الدير وسيد هذه الديار وعندي من متاع الدين والدنيا ما يغني عن النذر. فانتفضنا لقوله انتفاضة الذبيح وفهمنا ماذا يريد والتفتنا نستنجد بمسرور فاذا هو قد تخلّى عنهما ولاذ بالفرار. جمد الدم في عروقها وخشيتنا مغبّة الأمر فقالت ليلى بصوت خافت وقلب كسير ألا ترين يا فاطمة أنها مكيدة مدبّرة. وما إن أتمت كلمتها حتى هوت الى صخرة خلفها متخاذلة محطمة النفس. أما فاطمة فقد تحاملت على نفسها ومشت

