نحو الرجل ثابتة الجنان وجعلت تستعطفه بروائع الكلم وما فطرت عليه من رقة وحنان . قائلة ان كنت حقاً سيداً فاطلق سراحنا حتى يتحدث الناس بفضلك فيكون لك علينا مِنّة لا تنكر وان كنت معوزاً فهاك كل ما نملكه انما هب لنا حياتنا فقد تركنا خلفنا ازواجنا واطفالنا . وما كادت تتم كلامها حتى كانت وسوسة الاساور والحلى في معصمي فاطمة قد فعلت في نفسه فعل السحر فهوى عليهما بغلظة يجرّدهما من كل زينة ، فلم تدهش فاطمة لذلك ولم تبتئس بل التمست للص عذره في هذا الجشع الاثيم ، وجعلت تنثر ما لديها من الدراهم والحلى وهي راضية عن ذلك الفداء حتى استنزف اللص آخر ما عندها من المال . ولما انصرف عنها مالت على اختها تهدّى روعها وتقول ابشري يا اختاه ! انهضي فقد نجونا من شراك هذا الشقي . وكانت فاطمة ما تزال مشمرة عن معصميها فاذا هما عطل من كل زينة بعد ان كانتا مثقلتين بالذهب . فبهتت ليلى لذلك وقالت بلهف ولوعة ألم تستبقي لنا شيئاً نبتاع به الدواء المرير ؟ . فابتسمت فاطمة ابتسامة كئيبة واجابت والدمع يترقرق في عينيها ، لقد اشترينا يا اختاه ما هو اغلى وأثمن من هذا كله فلا تأسيْ على ما فات فذات الله وحده هو الذي يهب السعادة ويبعث الرجاء ويهدي الى الرشد .
كانت الشمس قد ارتفعت ومتعت واشتدت وطأة الحر فانطلقت الاختان من ذلك المكان الموبوء تطويان الارض المحرقة صامتتين ملتاعتين كأن بهما مسّاً من الجبال ، بعد ان شهدتا تلك الوقعة النكراء التي لم تسمعا بمثلها في اساطير
الاولين والتي اشتملت عليها احداثها فتركتها نهب الخواطر في حل ألغازها . وفيما هما غارقتان في ذهولهما اجتازت بهما عربة ، فاستقلتاها توّاً الى بيت والدهما وبعد ان استروحتا نسيم البيت واستراحتا من وعثاء السفر قالت فاطمة لاختها برفق : والان فماعساك فاعلة يا ليلى بعد ان لاقيت من خيبة الامل ما لاقيت في سبيل الحصول على الدواء المرير ؟ لقد تجرّعت كأس الذل والهوان فكان اشد مرارة من ذلك الدواء ! فهلاّ تناسيت حسني وأقمت معنا في راحة وطمأنينة ريثما تنقضي فترة الطيش والهوى فيعود الى صوابه ؟؟ أطرقت ليلى إطراقة طويلة لا لتهيء الجواب ، بل لتستحضر في مخيلتها صورة حسني فتستعتبه وتناقشه الحساب وعرضت
لها صورة بيتها منمقة بسحر الحب والجمال فما وجدت ما يعدل الحياة فيه مع الزوج وراحت تبحث في زوايا نفسها عن وسيلة اخرى تصلح بها ذات بينهما ولكن انّى لها ذلك والزوج ما يزال اسيراً في سجن حوّائه الجديدة .
مضى على فراقها بضعة ايام انقطعت في خلالها صلة كل منهما بالآخر فاشتد بليلى الهزال وباتت مؤرقة مسهدة وألح عليها الاهل والاصحاب ان ترحل عن البلدة للترويح عن النفس ولكنها أبت الا ان تظل قريبة من حسني تتسقط اخباره وهي ما تزال تعلل النفس بالعودة الى بيتها ، وترجو ان تكون فترة طيش بينه وبين مليحة لا تلبث ان تنقضي .

