وفي احدى الامسيات سمعت ليلى عن بعد طلقات نارية تخترق حجب الفضاء فاهتزت واضطربت وأحست ان قلبها يكاد يثب من بين جفنيها فألقت عنها دثارها واسرعت الى النافذة تلبي نداء هواجسها فاذا بها ترى عن كثب رتلاً من السيارات الفخمة تسير الهوينا وفي مقدمتها سيارة عروسين تحفّ بها الازهار والرياحين . واذا بالعروسين هما حسني ومليحة .. واذا بحسني الزوج العاق لم يرفع بصره الى ذلك البيت الذي يمر من تحت شرفته والذي تعرّف الى اهله في فجر حياته الزوجية فصاهرهم وكشف حالهم واطلع على دخائل اسرارهم فبذلوا له حبهم وقدموا له خير بناتهم خلقاً وخُلقاً فما رعى لهم ذمة ولا حفظ عهداً .
وما ان سمعت فاطمة ابواق السيارات الصاخبة وهزيج المارة حتى اقبلت على اختها تغلق من دونها النافذة لتحول بينها وبين ذلك المشهد ، الذي مثلت فيه الاقدار دورها الساخر فاذا بها ترى ليلى قد انطوت على نفسها وامتقع لونها وراحت في الغيبوبة الابدية واذا بهتاف العرس وعويل المأتم يمتزجان في ضمير الفضاء .
قضى حسني اياماً طوالاً ثقالاً كان طيف ليلى يلمّ به ليلاً فيؤرقه ويطوف به نهاراً فينازعه ويحاوره حتى شفّه السهر وأضناه التفكير وألحّ عليه صوت الضمير يؤنبه بنبراته المزعجة فتغيّر طباعه وفترت ثورة حبه لمليحة ، ومليحة بين يديه كالذاهلة تخفف عنه وتسلّيه ولكن من غير ما طائل . وفي احدى الليالي أرق ارقاً شديداً فقال لزوجته : أنيري لي الغرفة وآتيني بما على المنضدة من الصحف والمجلات فاني اشعر بحاجة الى القراءة . ضغطت
مليحة على الزر الكهربائي فملأ الغرفة بشعاعه الساطع ولكن حسني لم يبصر النور وظن ان التيار مقطوع فقال لا بأس اوقدي المصباح الزيتي . فبهتت مليحة وارتعدت فرائصها ووقفت تحدّق النظر في عيني حسني الواسعتين فاذا هما لا تطرفان ولا تتحركان . واذا بحسني يحسّ بالضربة القاصمة فيقول بذلة وانكسار : « إلهي ما اعجل انتقامك ، ألا ليت التي انتقمت لها تشعر بذلك . فاضطربت مليحة وأحست بقوارع الندم ولواذع الانتقام تنهش قلبها وجعلت تبكي حتى كادت تشرق بالدمع . وأحس مسرور بهول الفاجعة فأقبل على سيده خاشعاً وجلاً وأكب على قدميه يبللها بالدموع ويقول
عفوك يا مولاي . لقد اخطأنا القدر انا ومليحة وجازتنا ضربته فقد كنا نحن المجرمين حقاً . ثم اخذ يقصّ على سيده خبر المكيدة التي دبّرتها مليحة لتضليل ليلى واختها في ارض اللصوص وكيف انها اغرته بالمال الجزيل وهددته وانذرته بالوعيد اذا لم يفعل ما فعل فكان ما كان .
لم يجر حسني جواباً بل كان يتلمظ بمرارة الحزن ومضض الالم والندم واما مليحة فلم تلبث طويلاً حتى شعرت بثقل الحياة مع الزوج الكفيف فغادرت البيت الى غير ما رجعة وهي تردد كلمات حسني الموجعة : « لئن فررت مني يا مليحة فلن تقرّي من عذاب الضمير » .

