نساء ...
وتلك التي ترثي اباها ورجالها من شبان فتقول :
ترى أهذا رثاء ، ام فخر مستخلص من الرثاء .
وتلك التي تتعشق الاباء حتى لتفاخر بالاباء ، هي تقف على جثث الضحايا وقد سقطوا بالعراء بعد ان حموا الحمى ، تقف فلا تنوح وتبكي ، ولا تنشج وترثي ، بل تنشد :
وفاء واخلاص .. ولقد كان الوفاء من صفاتها البارزة ، ارأيتها يراودها عن نفسها مراود قائلاً انه لا يرانا الا الكواكب فتجيب واين مكوكبها ؟ .. ارأيتها تجلس على قبر خدها فتنشد :
اي وفاء في الحياة وبعد الموت ؟ ارأيتها صبية صغيرة يموت زوجها وطفلها على ذراعيها رضيع ، ويقبل الخاطبون يطلبون الجمال والخلق الكريم فتأبى ، الا وفاء واخلاصاً ثم تحتضن طفلها ابن الراحل الكريم وهي تقول ، لا أتزوج الا متى كبر واراد ذلك .. تقول وتفعل .. اي تضحية واي قهر للنفس البشرية الشابة ؟ .. ارأيت تلك التي كسرت اسنانها بعد وفاة زوجها لتشوّه اجمل ثغر خلقه الخالق فلا يرغب فيها بعد ذلك راغب ؟ .. وتلك التي جدعت انفها بعده ؟ .. وتلك التي صمتت كالخرساء طوال حياتها لانه كان يتعشق رنين صوتها ؟ يا لعظمة الوفاء ويا لروعة الاخلاص والتضحية .
شجاعة واقدام .. اما شجاعة ربيبة البادية فمن يصفها ، اجل لقد كانت المرأة العربية ادبية وخطيبة وشاعرة ، أبية أنوفة ووفية مخلصة ، ولكن اروع ما يفتنك منها هو شجاعتها ، لقد كانت الشجاعة مجسمة والعزيمة متوقدة ، كانت ريحانة البادية في السلم ، وروحها الملتهبة في الحرب ، كانت تملأ البيد فتنة وذكاء ، حتى اذا ما وقعت الواقعة اندفعت الى الميدان تهزج وتنقر على الدفوف ، تقاتل وتشجع ، فيكرّ الفارّ ، وينتصر المنكسر ، وتفوز القبيلة ببطلاتها قبل ابطالها ، تلك قلوب ما عرف الخوف طريقه اليها .
وبعد افرأيتها ؟ .. كان ذلك يوم أحد والتحم الجيشان ، والنساء تعمل ، تلك التي تسقي مدنفاً وتلك التي تضمد جراحاً وهكذا ، وتغلّب الاعداء واندحر انصار النبي الا نفر من الغرّ الميامين امثال علي وعمر وسعد وطلحة والزبير ونحوهم ، وقفوا يذودون عن الرسول ويحولون دون الوصول اليه ، ورأت نسيبة المازنية ما يحدث فعلمت ان دورها قد حان ، وكلمح البصر امتطت جوادها ثم انتضت سيفها وتناولت قوسها ودخلت المعركة ، وراحت تصول بين يدي الرسول وتجول تضرب بالسيف وترمي بالقوس لا ترى الخطر يدنو منه حتى تتصدى له ، وفي ذلك اليوم يقول الرسول عنها : ما تلفتت يميناً او شمالاً الا وانا اراها تحارب دوني .. وجرح ابنها في عضده اليسرى فتدلّت والدم ينزف منها - وقد كان ابنها وزوجها كلاهما في المعركة - وانتحت بالغلام جانباً فأخرجت عصائب من حقوها اعدتها لذلك اليوم فضمدت الجرح وهي تقول انفض بني فضارب القوم . هذا والرسول يرى ويهز رأسه قائلاً : من يطيق ما تطيقين يا ام عمارة .. وجرحت المرأة ، وبعد ، افرأيت اللبؤة وقد استأسدت لا تأبه للدماء النازفة من جراحها .. ثلاثة عشر جرحاً اصابت المرأة في انحاء جسمها فما اوقفتها لحظة عن جهادها ، كل هذا وهي تنصبّ كالسيل الجارف ، تطعن وتضرب حتى ظفرت بضارب ولدها فقتلته .. كل هذا والرسول يخشى على المرأة الهاجمة ويوصي ابنها بها قائلاً امك ، اعتن بأمك ، اضمد جراح امك ، بارك الله فيكم من اهل بيت .. وبعد أفلا تروعك هذه الشجاعة ؟ او لا تتساءل ، أهي امرأة هذه التي تجابه الموت ثلاث عشرة مرة في معركة واحدة ، يدخل السيف في جسمها ثلاث عشرة مرة ، فلا آهة ، ولا أنة ، ولا خوف ، ولا تراجع ، أهي امرأة ام مثال للبطولة المدهشة .
ثم ماذا ؟ هل اعدد لك بعد ؟ وهل استطيع ان اعدد ؟ .. انهن لسن واحدة ولا اثنتين ولا عشرة ولا مئة ، هي امة على هذه الشاكلة درجت كلها على الشجاعة ، عشرات منهن في جيش علي ، يخضن المعركة على ظهور الجمال مشجعات هازئات بالموت ، عشرات يقدن الجيوش وينظمن الفرق ويكسبن المعارك ، عشرات يقاتلن وكاهن عمرة بنت علقمة يسقط اللواء في غمرة الاندحار فتدوسه الاقدام ولا يقدم رجل على حمله فترفعه هي وتحمله فتجمع حولها نساء قريش يغنين بالمقيم المقعد من الاهازيج ، فيعود الجيش الى المعركة ويكسبها ، كاهن ، ام الزبير ترى الموت يحوم حول فلذة كبدها فتهزأ به ، كاهن ، تلك التي تنظر الى الجبن كأنه عار يلصق بالرجل فتعير زوجها بجبنه وهي تقول انك تنام عندما تخاف .
هي امة عاهدت نفسها على الجهاد ، وهي امة لم تمت لانها استهانت بالموت .
