لست من خصوم الحقوق السياسيةللمرأة . فكل خطوة نحو المساواة ، التيلا تزال للمرأة حلماً بعيداً ، هي بلا شكفي مصلحتها ، ومصلحة البلاد . ولكنحين أرى الرجل عندنا يسيء استعمالحقوقه السياسية ، ويشوّهها بالرشوةوالجهل ، والانقياد الأعمى للزعماء ، يهولنيما أراه من انحدار النظام الديمقراطي علىأيدي رجالنا ، فأتصور هذه العيوب نفسهامضاعفة بتصويت النساء ، وأتخيل البلبلةالاضافية التي يسوقها هذا التغيير ، وحينئذأتمنى على المرأة ان تؤجل المطالبة بحقوقهاالسياسية حتى يبلغ السكان من رجالونساء ، مستوى أعلى من النضوج السياسيومقداراً أوفر من الثقافة المدنية ،فنكتفي موقتاً بتصويت الرجل ونقتصرعلى أحد الشرين . أما اعطاء الحقوقالسياسية للمتعلمات فقط ، فبعد اجحافاًبحق المرأة لأنه في هذه الحالة يجب سحبالحقوق السياسية من يد الرجل الأميالذي يمثل عدداً لا يستهان به من رجالنا .وعلى هذا يجدر بنا قبل المطالبة الملحةبحقوقنا السياسية ان نمهد لها تمهيداً منطقياً ،وذلك بأن نلح في المطالبة بمحو الأمية بينالنساء والرجال على السواء ، ونشر الثقافةالمدنية والسياسية بين السكان على اختلافطبقاتهم واجناسهم .لا يزال في العالم — حسب التقريرالأخير الذي أذاعته هيئة الأمم المتحدة —أربع عشرة دولة تحرم المرأة حقوقهاالسياسية . ومن الأربع عشرة ، ستدول عربية أي نحو نصف المجموع . وبينالدول العربية السبع تنفرد سوريا باعطاءالمرأة حقاً مبتوراً في الانتخاب .لقد تحررت المرأة سياسياً في الشرقالأقصى ، وفي جميع أوروبا ، عدا سويسرا ،وفي جميع الدول الاميركية ، عدا دولاميركا الوسطى . أما نساؤنا فلسنمحرومات الحقوق السياسية فقط ، بلانهن في سائر الحقوق المدنية وقوانينالأحوال الشخصية لا يزلن خاضعاتلشرائع القرون الوسطى .ان القانون المدني عندنا لا يعتبر المرأةشخصاً قابل الاستقلال بل يجعلها عيّالاًعلى الرجل في جميع أدوار حياتها ويحرمهاكل حق في المساواة . في المحاكم ، ترفضشهادة المرأة الا اذا اتفقت امرأتان علىشهادة واحدة ، ولا يخفى ما في ذلك منحيف ومن اضعاف لشخصية المرأة .وأسوأ من ذلك قانون الارث ، فهو يعطيالمرأة نصف حق أخيها في ميراث الوالدينوهذا التفضيل الصريح كثيراً ما يجره الىحرمانها من جميع الميراث . أقول هذابدليل البحث الذي قامت به احدى اللجانالنسائية في خلال انعقاد المؤتمر النسائيللاونسكو العام الفائت . فقد استجوبتفي الموضوع مئة وخمسون امرأة من الأسرالمثقفة المتوسطة الحال وُوجد ان ٤٣٪فقط ، من أولئك النساء ، أعطين حقوقهنالمشروعة في الارث ، أي نصف حقوقالأخ ، بينما الباقيات لم يحصّلن شيئاً أو نلنفقط بعض الحقوق . أما حقوق الزوجةفليست أفضل حالاً لأنها ترث ثمن ماترك زوجها اذا كانت ذات ولد ، والافلها ربع الميراث ، ومعنى هذا القانون انهيجعل الأرملة في وضع تعجز معه عنالعيش المستقل الا اذا كان زوجها ذاثروة طائلة . فعليها ان تعتمد لأجلمعاشها على أولادها أو بعض ذويها وعليهاان تثق بعطفهم وحسن طويتهم ، مع انهاتين الفضيلتين قليلتا الوجود في بنيالبشر .قد يقول قائل : ان الرجل هو معيلالأسرة والشرع يجعله مسؤولا عن اعاشةالنساء اذا كنّ غير عاملات أو غير ذواتثروة . ولكن بأي ثمن يقوم الرجل بهذاالواجب ، وأي منّة يحمّلها للمرأة المتطفلةعليه ، وما هو عدد الرجال الذين يفعلونذلك بطيبة خاطر ، ومن غير تذمر أواستبداد ؟هناك أمر آخر يسترعي الانتباه .وهو ان عدد النساء العاملات خارجبيوتهن ، لا سيما بين الفتيات ، يزداد يوماًبعد يوم . وما علينا لنتحقق هذا الأمرالا زيارة المصانع والمخازن ومعاهد التربية ،والمكاتب والمستشفيات ، والمزارع ، وسائردور العمل . هنالك احصاءات قام بهافريق من اعضاء جمعية نسائية في العامالماضي فوجدن ان عدد العاملات منفتيات الطبقة الوسطى لا يقل عن خمسينفي المئة ، في حين ان نساء الطبقة العاملةجميعاً يشتغلن كالرجل في المصانع والمزارعوالمؤسسات . بل قد رأين عدد النساء فيبعض المعامل ضعف عدد الرجال .ثانياً — ان المرأة التي لا تشتغل خارجالبيت تعمل عادة في البيت . فهي المربيةوالممرضة ، والخياطة ، والطاهية ، والغسالةومديرة المنزل . وعدد الطفيليات حقيقةقليل جداً لا يجاوز عدد اصحاب الملايين .واني لا أتصور رجلاً يرضى باعالة أمه أوزوجته أو اخته من غير ان يطالبها بالقيامباعمال البيت ، وبذلك تقوم له مقام الخادمة .فهي والحالة هذه ، مستحقة طعامها ولباسهامن غير مقابل . وليس في اعالة الرجللها اية خسارة ، ولا اية ذريعة أو حجةتبرر حرمانها حق المساواة في الارث .٦