ثالثاً - ان تفضيل الرجل على المرأةفي ناحية الارث، او استيلاءه على مجموعالثروة دون النساء، كثيراً ما يكون ذااثر سيء في اخلاقه. اذ يجعله التأليه اتكالياًكسولاً، او انانياً متغطرساً، ميالاً الىالاستبداد باعضاء الاسرة كاستبدادهبالارث جميعه او اكثره. وما دامتالمرأة عيالاً عليه، عاجزة عن العيشبنفسها، تصبح علاقة احدهما بالآخر علاقةحذر ورياء، كعلاقة السيد بالعبد.فكلاهما يداري الآخر لحاجته اليه، لالانه يرى في الوضع حلاً مثالياً. ولوخيرت كثير من النساء لفضلن الاستقلالبعيشتهن، لو كان الشرع منصفاً لهن اوكنّ قادرات على اعالة نفوسهن. كم منوالد مات تاركاً وراءه امرأة وبنات،فجاء الاعمام والاقارب ينازعونهن الميراثوينصبون ذواتهم اوصياء، ويرغمونهنعلى عيشة الحرمان، ليستمتعوا هم بمال لميتعبوا في جمعه.بالاضافة الى ما تقدم، نجد موقفالناس من المرأة يتكيف بالقياس الىموقف الشرع منها. فهم لا يرون حرجاًفي ظلمها وغبنها مجاراة للقاعدة المزدوجةالتي تعتبر حقها نصف حق الرجل.وبذلك تصبح مصيبتها مزدوجة. والغبنيجرّ الغبن.ان شرائع الارث التي تمشي عليهاكانت صالحة في العهود القبلية، حينكان اعضاء القبيلة يؤلفون وحدة متراصة،ارزاقهم مشتركة ومصالحهم كذلك. كانزعيم القبيلة اذ ذاك يحرص على ابقاء جميعاملاكه في ايدي الذكور من عشيرته،لتبقى القبيلة عزيزة باملاكها منيعة الجانب،فلا يتسرب شيء من تلك الاملاك الىالاسر الغريبة التي تنتقل اليها البنات عادةبالزواج. اما في هذا العصر الذي ينحلفيه نظام العشائر، ويشيع نظام الاسرةالصغيرة المستقلة المؤلفة من الاب والام
والاولاد فقط، فان من مصلحة الرجلالراغب في الاستقلال، ان يعاون المرأة،سواء أكانت امه ام اخته ام زوجته،على تأمين استقلالها الاقتصادي وعلىاجتناب التطفل، وذلك اولاً، باعطائهاحقوقاً مساوية لحقوقه في الميراث. ثانياًبتشجيعها على العمل المحرر وتمهيد سبلهامامها. وبذلك ينصفها وينصف نفسهويخلصها من عقدة النقص التي كثيراً ماتسبب له المشاكل في علاقاته معها.وحينئذ تصبح حياته العائلية اكثر حريةواصفى جواً واقل تعرضاً للمشاكلوالاضطرابات.بقي نوع ثالث من انواع الظلمالاجتماعي الذي تلحقه الشرائع بنسائنا.هو القانون الذي يرى في قتل المرأة دفاعاًعن العرض، او صوناً للشرف، ذنباً بسيطاًلا يجرم صاحبه ولا يعرضه لعقاب صارم.وبديهي ان مصدر هذا القانون ليس العدالةولا الحق الطبيعي، لان ابسط مقدار منالتفكير، يرينا ان جرم الزاني لا يقلفداحة عن جرم شريكته. لكن الرأيالعام يبرئ الرجل ويلصق بالمرأة كلالتبعة لا لشيء سوى أنها محكومة مستضعفةخاضعة للرجل. فهو يحملها ما يشاءويطالبها بما لا يطالب به نفسه. يرتكبما يشاء من المحرمات ويحاسبها على اقلهفوة. ولو قدم لها المثل الطيب لهانالامر، لكن المرأة الشاردة هي التي تعيشفي جو ضغط خانق او في جو انحطاطاخلاقي يسهل لها الضلال ويشجعها عليه،ومع هذا، فهي اذا شردت تذبح ذبحالنعاج ولا حرج على قاتلها ولا اثم.لعمري هذه سنة من عهود الهمجية، لميحق للرجل المتمدن تطبيقها على عبيدهالذين اشتراهم بماله او استعبدهم في الحرب،فكيف يجوز تطبيقها على المرأة التي جعلنفسه قيماً عليها، ان فسدت عليه فهو المسؤولعن فسادها، وهو المستحق العقاب قبلها.
جميع الشرائع المدنية التي اشرت إليهاقد سنّت في عصر غير عصرنا، ولم تعداليوم صالحة، بل أصبحت بتغير نظامالمعيشة، وتنوّر نساء العصر، مصدر عللومتاعب للرجال والنساء على السواء.ان المرأة التي تشعر بثورة داخلية وترىانها بالقياس الى الرجل مغبونة مهضومةالحقوق، لا بد ان تظهر ثورتها في وجهمن الوجوه. انها تنتقم من محيطها بسعيهاالى السيطرة على من حولها، او بسرعةتبرمها او انفصالها الى المكر والمخادعةوسائر اسلحة المستضعفين الناقمين.في كتاب «الجنس الآخر» لسيموندي بوفوار، تلاحظ الكاتبة ان مشكلةالمرأة لا تختلف عن مشكلة العمّالومشكلة زنوج اميركا. جميع افراد هذهالفئات الثلاث يشعرون بالالم ويطالبونبالانصاف. وكأني بها تقول: احذرواانتقام المغبون. فقد يصبر على حالتهحيناً، لكنه لا يلبث ان يثور كما يثورالعمال في اماكن كثيرة من العالم.وليست سيمون دي بوفوار هي الوحيدةالتي تحذر الرجال من غضب الفئاتالمحروقة التي اخذت تفتح عيونها للنور.لقد قامت حكومتنا منذ مدة، بعدةتدابير تشهد لها بالرغبة في التطور والخروجبالشعب من ظلمات الماضي السحيق. اماالتدبير الاول فهو منع اطلاق الرصاصفي الحفلات والاعياد. والثاني هو مكافحةالشحادة ومعاقبة الشحاذين. وقد عرضعليها مؤخراً مشروع مساواة المرأةبالرجل في الارث ولا يزال المشروعمطوياً في بعض الملفات ينتظر المناقشة.فعسى ان يلاقي بين المسؤولين عدداً كافياًمن المؤيدين الذين ينجحون في اقراره،جاعلين منه حلقة اولى في سلسلة اصلاحاتاجتماعية هامة، تقرّبنا من مستوى الشعوبالمتحررة.٧