على عمها شيخ البلد ، وكان من مريديه ،فوصف للمريض منقوع الحناء يشربه معمرق الفراريج سبعة ايام ، ويدهن اربعينيوماً بالمر مزوجاً بالزفت والقطران !وقال انها وصفة من تذكرة داود التيآلت اليه نسختها الخطية عن جده وخرجالشيخ من القرية ومعه حمل بعير من هداياالقرويين !كان اهل القرية قد نسوا على طولالزمن لماذا اخذوا العهود واستكتبواالتمائم ، وظلوا رغم خيبة الامل فياستجلاب الحظ الطيب ، يؤمنون براعيالغنم والشيخ الذي في الزقازيق ...ويستعينون بها على تيسير العسير وتفريجكربة المكروب ...حتى أم اسماعيل !ولم يخطر طبيب الصحة على بال احدلانه كان في نظر القرويين .. الدجالالوحيد بين هؤلاء الثقاة من العلماء !وتكاتف الداء وصنع راعي الغنمودواء الشيخ الذي في الزقازيق فاطفأتاكثر الشموع المضيئة في عيون اسماعيل .واخذت الدرنات والاورام تتفشى فيجسده وبدأت اعصاب اسماعيل تعياوتنهار ، واخذ الداء يتسلل كاللصالمدرب يتخيف منه اصبعاً هنا واصبعاًهناك ، وبات اسماعيل القوي عاجزاً لايقدر على شيء .وقال الذي كان يرى « اخته » الجنيةوهي تطرق بابه ليلاً ، انها خاصمته لانهتزوج ، فانتقمت منه شر انتقام .وقال الذي كان يزعم توفيقه بركةمن دعاء الوالدين الصالحين ، لقد كنتاظن اباه صالحاً . لا حول ولا قوة الا بالله .ان الناس حقيقة اسرار .ولكن احداً من القرويين لم يتزعزعايمانه في قدرة راعي الغنم ، او سر الشيخالذي في الزقازيق !
وعيل صبر الاصدقاء الخلصاء ، فاخذوايستمعون لنصائح المأذون الجديدة ويفرونمن اسماعيل المجذوم فرارهم من الاسد ..وفقد اسماعيل كل سحره عليهم ...واصبح كالقبر « يزار كثيراً ، فدونالكثير ، فقبراً ، فينسى كأن لم يزر ! »ومع ذلك فقد بقيت له زوجته المخلصةلم تفقد أملها في الله وفي الشيخ الذي فيالزقازيق ، ان يرد اليها زوجها قوياً كماكان ، جميلاً كما كان ، ولتكن هي نورعينه ان يكن فقد بعض نور عينه ،ولتكن جوارحه ان كان الداء قد عاثفي جوارحه ، ولتكن امة لسيدها اسماعيل .وبقيت له امه تبيع العجل والشاة والدجاجوتنفق على علاجه عند راعي الغنم بسخاء .وكان اسماعيل لا يعدم وهو راقدامام البيت يستدفي بشمس الشتاء رجلاًمن القرويين يضل طريقه ويمر بهذا البيتالمحرم فيستحي ويقرئه السلام .وكانت تنبسط له بالتحية احياناً يدصديق من اصدقائه القدماء ، فيشيحبوجهه وعينه المغشية بالضباب ، ويتجاهلاليد الممدودة ويرفض الصدقة التي يجودبها عليه الاصدقاء كارهين ، ويصرفبكلمة طيبة ، هذا الصديق الكريم ...مضى الداء لغايته قاسياً لا يرحم ،هازئاً بالرقى والتمائم والادعية والصلواتوكف بصره حتى لم يعد يرى النور .وانقرض من البيت ثغاء الشاة وخوارالعجل ونقنقة الدجاج .وغرب نجم التوفيق في عين حمئة ،وبدا ان غروبه خالد .ودب اليأس في قلب الزوجة منشفاء هذا الجسد المستحيل ..واخذت اذا طلب شربة الماء في غيابأمه تضع يدها على أنفها وتدخل عليهبالجرة فتضعها بجواره ثم تنطلق كالسهم .
واخذت تحدث نساء القرية عن سوءطالعها وتبكي جهدها الضائع وقرطهاالذي ثمنه شيخ الزقازيق ، وتذكرت انلها حماة !وفرت هي الاخرى في النهاية منزوجها المجذوم ..لقد فقد اسماعيل سحره على الزوجة ،كما فقد على الاصدقاء الخلصاء ، وكمافقده من قبل على الفأس والمحراث .ولكنه لم يفقد سحره على أمه ...بقيت له تسقيه وتعطش ، وتطعمهوتجوع ، وتقبل الشفاه التي أنف منتقبيلها ملاك الموت . وتبيع كل دنياهالتشتريه ، وتسأل الله ان يجعلهافدية لولدها الحبيب المسكين .وبقيت له في النهاية أمه والذباب ...وملاك الموت يرفرف عليه من بعيد .

٣٦