ان من حق الحديث عن الشاعر شفيق معلوف ان يذهب الى أبعد من محادثة قصيرة لما في هذا الحقل الفني من « صوت المرأة » مكان مقرّر محدود ، لهذا سأجيد واجعل من هذه الخطوط الخطافة ، صورة امينة - ولو قصرت - عن احدى مفاخر لبنان وراء البحار .
وصف خليل مطران يوماً امرأة عبقرية السحر فجمع في نصف بيت كل ما يخطر في بال عشاق الفتنة والرواء حين قال :
« . . . . . . .
اشتاتُ حسنٍ جُمّعت في قالبِ »
وانك لتقول مثل هذا القول اذا ما اسمعك الدهر يوماً ودرت في الفلك الذي يدور فيه شفيق معلوف : أشتات من النبل والشهامة والمروءة والانفة العزيزة نجمّعت في رجل واحد .
خلق عظيم من اشعاعه تهذيب رائع تحس انه يتعدى ما تواضع الناس على تسميته « ادب المعاشرة » . تلقاه فتشعر ان روحاً شفيقة بعيدة القرار تشارك النظرة الحية واليد المسلمة والنطق المرحب . وهنالك الغيرة على اللغة العربية ، ثروة لبنان وموضوع اعتزازه ، انه في سبيل ابقائها حية عبر البحار لا يهدأ ولا يمل . الادب العربي هواه ونجواه ، يستأثر بحصة كبرى من كل ما وهبه الله ، من جهده وقوته وماله .
واهل الادب هم اخوته وافراد عشيرته ! هذا شاعر مريض ، يجيء الى العاصمة من بعيد ، فما ان يحط الحقائب حتى يطل اخو المروآت ، فيقوم مقام الام البعيدة ، ويتتبع سير المداواة يوماً فيوماً ، بل قل ساعة فساعة . وما لي لا اتركه يريكم نفسه الشفافة في شعره العظيم . قال ولعل هذا خير ما قيل في الوفاء :
وحطّ شاعرنا رحاله عند باب الاسطورة الملقى في وجه ادباء العربية ، فالاساطير ما كانت يوماً فناً قائماً بذاته كسائر الفنون الادبية . فهي شتيت موزع والمعروف منها قليل نادر لا يشبع جوعاً . وهكذا خلق لنا شفيق معلوف الاسطورة العربية شعراً كما خلق لنا صلاح لبكي الاسطورة اللبنانية نثراً . وها أنا اقدم لقارئاتي في « صوت المرأة » اسطورة « أناهيد » .
هل سمعتنّ يا سيداتي هذا الاسم قبل اليوم؟ اما أنا فقد سمعته لاول مرة في مدينة سانباولو يوم قُدّمت الى سيدة تدعى « الاييد » بادرتني بقولها انها اسبانية الاصل وان اسمها عربي . شككتُ يومئذ ان يكون عربياً ثم انكشف الطلسم يوم تناول شفيق معلوف سطراً رواه الجاحظ عن أناهيد فبنى عليه قصراً مسحوراً .
فعلى هذا يكون اسم « الاييد » « أناهيد » وقد قلبت النون لاماً والهاء ياء . ما اكثر جهلنا للجميل في ادبنا وكم كانت جنايتنا كبيرة على هذا الادب يوم حصرناه بالفخر والغزل والمديح والهجاء والرثاء .
اذاً ، تكون « أناهيد » حسب رواية الجاحظ « فينوس » العرب فهي عندهم الهمة المعين . فلماذا - على رأي الجاحظ - مسخت نجماً ، ومن قام بهذه الاعجوبة ؟
لنلحق بخيال شفيق معلوف ، الذي فتح لنا في الادب العربي ، منذ عبقر ، باباً جديداً سنفيد منه كثيراً ونستمتع كثيراً .
هوذا خرافة (1) ساكن الكهوف ، يجمجم وينبري راوياً لنا حكاية أناهيد . قال :

