بلادنا بلاد النور ، بلاد العلم ، منارة الشرق الرفيعة ، معبر الحضارات من الاقاصي الى الاقاصي ومركز قيادة الفكر في الشرق .
تلك هي اناشيدنا في بلادنا . فهل هي الا اساطير حبكها الخيال وتمت بها الشوق . هل هي غير تعبير عما نصبو اليه . نعرف ان لبنان ، في هذه الناحية من المتوسط ، لن يستطيع ان يكون الاول في حلبتي الصناعة والزراعة ، فاذا صبونا فلا يعقل ان نصبو الى لبنان لا يكون الا مروحة الشرق ! ان لنا طموحاً لا يشبعه غير التطلع الى هدف سام يتأبد في التخوم البعيدة حيث ينصب الفكر على نفسه . ولقد ساعدنا على تصورنا هذا الحلم الرائع ان البعثات العلمية الاجنبية انشأت في بيروت جامعتين ما عتمتا ان اصبحتا مصنعين بنتحات الشباب المثقف ويوزعانه على الشرق العربي كله ، وان الله وهب افراداً منا قصبة تغني او ريشة تقص فرسخ عندنا ، ورسخ عند جيراننا ، ان بلادنا بلاد النور والجمال .
الا اننا اذا طالعنا الحقائق وتفرسناها هالنا منها كون سمعتنا هذه تعيش على ماض من العز انقطع او كاد .
الجامعات ! ماذا تخرج لنا اليوم : اطباء وكيمائيين ومهندسين ومتشرعين ، كلهم ممارسون جعل اكثرهم المهنة تجارة . ولا لوم عليهم . فهنا لا مختبرات ولا موازنات تسمح بالتخصص وتفسح المجال
امام الاكتشاف والخلق والابداع .
ان علماءنا الذين لا يتيح لهم الحظ الانقطاع الى العلم في الغربة ، شغيلة في هيكل المعرفة ، وابواق ومرددون مكررون لا علماء .
قرأت امس خبراً مؤداه ان انكلترا تباهي العالم اليوم بانها الاولى في جراحة القلب . فماذا نباهي العالم نحن ؟
نباهيه بان فيه بلداناً اسوأ حالا من بلادنا . فانتصاراتنا سلبية حتى في هذا الميدان ، نفاخر معها باننا لسنا دون الدون .
ينبغي لنا ان نجعل من لبنان وطناً جامعياً يكون له جامعاته المجهزة باحدث ما وصل اليه العلم ، القادرة على افساح المجال للاختبار وللاكتشاف ، او فلنساعد الجامعتين الاميركية والفرنسية مساعدة تمكنها من الاضطلاع بهذه المهمة . اما المال لمشاريع كهذه فلا تتحدثن عنه . من شرب البحر استقل السواقيا . واداراتنا تشرب كل يوم البحر على غير طائل .
اما الآداب والفنون فقد كان من حقنا الوقوف او السير في الطليعة بين من حملوا مشاعلها في البلدان العربية . ذلك ان لنا لمجرد ما نحن على هذا الشاطئ ، خصائص متشابكة فريدة من مرونة وتفتح وقابلية للتكسب . فنحن عندما نطل على ينابيع الفكر لا نجد غضاضة في ان نغرف من معينها . بل نشعر اننا قد
اعطينا العالم في الماضي كثيراً فأخذنا منه اليوم استرداداً ، بل نشعر ان المدين في هذا المضمار لا يقل شرفاً عن الدائن . بل لا دائن ولا مدين فيه . هي الثروة الطائلة كلها لكل انسان .
فما هو ما يؤخر ركبنا عن الطلائع ؟
ينبغي ان تتوفر لادبائنا ولاهل الفن عندنا شروط الانتاج : حرية يستطيع معها التعبير عن كل مواضيع الفكر ، وسوق لا تكسد فيه المؤلفات والصنائع الفنية .
ان الادلة متوفرة على مدى استعدادنا

