إن الفترة المظلمة الطويلة التي مرت على الفتاة العراقية، والظروف القاهرة التي عانت قسوتها وشدتها بسبب العرف والعادات والتقاليد، ولدت انتكاساً بعيد المدى في كافة نواحي حياتها، جعلها أسيرة الجهل، مقيدة الحرية لا تفهم من الحياة سوى الخضوع لمشيئة الرجل والاستكانة له، فأضحت تحيا حياة آلية تنظر من خلالها إلى ما حولها بمنظار أسود بسبب تفاعل أسس التربية السقيمة مع عوامل البيئة المتأخرة التي عاشت تحت تأثيرها مدة طويلة من الزمن مما ترك في نفسيتها أثراً بليغاً: فنشأت قليلة الثقة بنفسها، ساذجة في تفكيرها، معتمدة على الرجل في كل ما تحتاج إليه. فكان طابعها الحجل والرهبة من الجنس الآخر. بعكس ما تتمتع به المرأة في المجتمعات الراقية وذلك لاختلاف البيئة والظروف التي مرت على كائنيهما.
لم تلبث أن بدأت تلك السحب تنقشع من أفق حياة الفتاة العراقية منذ أقدامها على التعلم وطلب المعرفة قبل سنوات، وإن كان في نطاق محدود لم يتعد الدراسة الثانوية. ولا ينكر فضل هذا التغير الذي طرأ على الفتاة العراقية فغير مجرى حياتها، والذي يمكننا أن نسميه بـ (دور الانتقال) من نمط حياتها القديمة إلى أسلوب آخر يختلف عنه كل الاختلاف مما أثر على مكنوناتها الشخصية العقلية وسط هذا
الضجيج الثقافي الهائل الذي تتجاذبه مختلف التيارات والاتجاهات الفكرية، والذي يزداد صخباً كلما أوغل الإنسان فيه. في هذه المرحلة اعترها التبلبل الفكري نتيجة تصادم رغباتها مع ما تريده البيئة منها، ولازمها التردد بين الاكتفاء بهذا القدر الضئيل من المعرفة وبين أن ترج بنفسها في هذا الخضم الذي تتقاذفه أمواج العلم المختلفة. إلا أنها لم يعوزها الأقدام على اقتحام ميدان الدراسة العالية لاستكمال عناصر ثقافتها مع الجنس الآخر جنباً إلى جنب، متخطية بذلك الصعوبات والعراقيل التي وقفت في سبيلها.
وهكذا حطمت الأبواب التي أوصدت في وجهها متحررة من نير الظلام الدامس الذي عاشت فيه دهراً طويلاً لتتمتع بنور العلم والثقافة. كما أنها أحرزت النجاح بتفوق بما أظهرته من مؤهلات وكفاية على الرغم من المضايقات والمعاكسات التي اعترضتها في بادئ الأمر.
إن التعليم المختلط قد أبعد الرهبة، وأزال الحجل عن الفتاة، لأنه أتاح لها الاطلاع على نفسية الرجل التي لم تكن تعرف عنها شيئاً إلا عن طريق الحدس والتخمين، وكشفت لها الدراسة العالية عن آفاق جديدة، كانت تجهلها في الماضي القريب.
إن هذا التعليم قد أثبت جدارتها عملياً بالمساواة مع الرجل فهي معه في
ميدان العلم تبادله الأفكار وتناقشه الآراء، وتقارعه الحجة بالحجة كما هي أمامه وجهاً لوجه في مناحي الحياة الأخرى، وهذا ما يبشر بنهضة ثقافية مباركة تتجلى في أقدام الفتاة على تثقيف نفسها ثقافة عالية، مما يدل دلالة واضحة على مدى رغبة الفتاة العراقية الملحة في الدرس والتحصيل وإدراك حقها الطبيعي في الحياة، وعلى جدارتها بأن تتبوأ مركزها اللائق بها في المجتمع وتتحمل مسؤولية أداء رسالتها الوطنية والاجتماعية على الوجه الأكمل وعلى قدم المساواة مع الرجل.
وهكذا تكون فكرة التعليم المختلط قد تطورت مع تطورات الزمن، بل هكذا تكون الفتاة العراقية الحديثة قد خرجت من تلك الظلمات القاتمة إلى نور الذهنية الوقادة لتذوق حلاوة الوجود، ونعيم الحرية في ظل وارف من ظلال العلم الحديث.
إن الفتاة العراقية اليوم هي غيرها بالأمس، ذلك لأنها قطعت أشواطاً بعيدة جداً في مختلف الفروع العلمية والأدبية والاجتماعية. هذا وإذا علمنا أن النسبة العددية للطالبات في المعاهد العالية تكاد تكون ربع أو ثلث عدد الطلاب في مختلف المعاهد، كدار المعلمين العالية، وكلية الطب والحقوق والصيدلة والتجارة والاقتصاد وكلية الآداب والفنون الجميلة، أدركنا قوة الطالبات ومبلغ جهادهن في

