أية فضيلة من الفضائل لم تنفجر من هذا القلب الإنساني الكبير .
بل أية بطولة لم يُقدم عليها القلب سخياً ، جريئاً ؟!
بل أية تضحية كبرى لم يعطها القلب مسروراً ، وهو يتخبط في دمائه وفي نزعه ؟!
تنبهت أيتها المرأة المواطنة ، ونهضت تطالبين بحقك الكامل في الحياة بعد أن استأثر الرجل بهذا الحق الوفا من السنين حتى صيّره موطناً لأقدام البغاة والطامعين ، وسلعة مساومة في أيدي الظالمين ، المستعمرين ! حقك بالحياة جعل منه الرجل وسيلة لاستعبادك واستعباد نفسه !
ألا هبي وانتزعي منه حقك وحقه ، فهو غير جدير بحقوق الإنسان الإنسان !
لقد دقت ساعتك ، أيتها المرأة المواطنة ! ساعتك هي ساعة الإنقاذ والتحرر ! ساعتك هي اليقظة الفاصلة :
يليها موت أبدي ،
أو تخلفها حياة دائمة !
ساعتك هي الانفجار الأخير في عبقريات هذه الأمة :
فإما أن يرمى هيكل أمتنا بين أنقاض الأمم المنقرضة ،
وتدخل في تاريخ الأموات الخالدين ،
وإما أن تنتفض الحياة المجددة من بين هذه الأجساد المتحركة وتستأنف سيرها إلى المجد والبقاء !
هم يحاولون إبقاءك خارج معترك الحياة ، لأن فضائل قلبك النيرة ، الغنية ، ستفضح رذائل قلوبهم السوداء الحقيرة ! فاعلمي أنك المسؤولة أمام الحياة ، وأمام التاريخ ، وأمام الوجود المندفع نحو السمو والكمال !
لم يعد دورك ثانوياً ، يمكن أن يستغنى عنه إلى حين ،
إنه الدور المقرر مصيرنا !
فإن أنت تراجعت أمام مهاجمة الرجعيين المتألبين عليك ،
فإن الخسارة لن تكون خسارتك وحدك ، بل خسارة الأمة كلها !
إنهم يستكتبون بنات جنسك لتحويل وعيك ونهضتك إلى أعمالك التقليدية ، فيستمر انعزالك ضمن دائرة محدودة ، وليتسنى لهم جرك إلى الهاوية التي ينحدرون إليها !
إنهم يسمون حقك في الحياة «سياسة» ، وجرأتك على خوض ميدان الإصلاح انحيازاً عن طريق خلقت لها !
إنهم يجسمون واجباتك البيتية كي يجسموا مخاطر المغامرة في المطالبة بحقك في الحياة !
فمن قال لهؤلاء الأغبياء إن المرأة خلقت لتكون أسيرة في بيتها :
تحمل جنينها في أحشائها ،
وتهز سرير طفلها في ليلها ،
وتطهي طعامه في نهارها ؟!
من علمهم أن المرأة وجدت لتكون وسيلة لتحقيق مطامع الرجل في كبريائه واستبداده واستسلامه وخنوعه ؟!
إذا كانت هذه وما يجانسها واجبات المرأة ، فواجبات الرجل المماثلة لها هي إذن :
أن يكدح نهاره كله ليعول أولاده وامرأته ، وهي أن يفيء إلى بيته مساء فيساهم في تدبير شؤون منزله !
أما إذا كانت الحياة نزعات ومواهب ومؤهلات ، تسيطر على الإنسان وتستأثر بنشاطه وقوى عقله وميول قلبه ، فإن هذه النزعات والمواهب والمؤهلات يمكن أن تظهر في الرجل وفي المرأة .
قد يكون رجل مخلوقاً ليصير طاهياً ومربياً ، كما قد تكون امرأة مخلوقة لتصير مفكرة إصلاحية ومناضلة في سبيل تحرير بلادها !
إن ممارسة المرأة حقوقها الاجتماعية - السياسية ليست «سياسة» ، والسياسة ليست ، كما يفهمها الناس عندنا ، انغماساً
في المطامع والأهواء الشخصية الوضيعة ، وهي ليست ملهاة عن واجباتنا العائلية وأعمالنا البيتية ! إنها قبل كل شيء :
وجدان اجتماعي حي يشعر بالمسؤولية نحو نفسه ونحو مجتمعه !
وهل يجوز لإنسان ما ، سواء كان أباً يعمل ليعول أولاده ،
أم أماً تسهر على إدارة بيتها ،
أم طاهياً يتفنن في أنواع المآكل ،
أم فيلسوفاً غارقاً في مختلف المذاهب الفلسفية ،
أم خادمة تعمل في بيت سيدها ؛
هل يجوز لأي كائن إنساني متمدن أن ينشأ على تجميد وجدانه الاجتماعي فيهمل حقوقه وواجباته ؟
إن الحقوق التي تطالب بها المرأة هي استكمال دورة الحياة الاجتماعية في ميدان الحقوق والواجبات ، وإن من يقاوم المرأة في نهضتها الجريئة هذه ، هو كمن يهدم نفسه بنفسه : فكما أن المرأة هي الجزء المكمل للرجل ، فهي كذلك الجزء المكمل للمجتمع القومي - السياسي ، وهي القوة الضرورية التي لا يستغنى عنها لدفع دورة الحياة الاجتماعية - السياسية في حركتها الكاملة ، الساعية لتحرير المجتمع من أمراضه الفكرية والقلبية ، والضامنة بقاءه وتقدمه واستمراره !
أيتها المرأة المواطنة !
فتشت زوايا بلادي زاوية زاوية ، وسبرت أغوار أمتي المنجرفة إلى الفناء ، فلم أجد إلا أرض بلادي نقية ، طاهرة ، تخزن الخيرات والبركات في قلبها ؛
ولم أجد إلا قلبك منعكفاً على الفضائل المخزونة في أعماقه :
ويل لنا ، ولأجيالنا الآتية ، إذا أرضنا تحولت إلى براكين تقذف الحمم ، وإذا قلبك تحجر بالخوف والانتظار !
