
لرسائل الغرام التي خطها الاديب الفرنسي الشهير جان جاك روسو (١٧١٢-١٧٧٨) مقام في ادب الرسائل ، قلّ ان يجاريها فيه سواها ، من حيث الناحية الادبية ومن حيث الاحاسيس والخوالج التي يعبر عنها فيها .
وفي رسائله الى الكونتس صوفي دوديتو ، اطلق روسو العنان لعواطفه المتأججة في صدره ، فراحت تتلوى ، دون رادع ، على اوراق الارجوان .
من هذه ، الرسالة التالية ، وقد بعثها الى عشيقته في حزيران من ١٧٥٧ ، يعاتب ، ويستعيد الذكريات ، ويتوسل ..
دعيني أعذب قلبك الظالم ، يا صوفي ، لاكون قاسياً معك كما كنت معي . ولماذا لا اعذبك ، وقد سلبتني العقل ، والشرف ، والحياة ؟ وكيف اتركك تقضين ايامك بهدوء ، وقد تركت ايامي لا تُعاش ؟
آه ، لكنت اقل قسوة بما لا يقاس لو انك طعنت قلبي بخنجر ، عوضاً عن
ذلك السهم الفاتك الذي يرديني . انظري كيف كنت و كيف صرت ، والى اي حد هويت بي : كنت اكثر من انسان حين تواضعت فرضيت ان تكوني لي ، وحين انأيتني عنك صرت ادنى الخلائق . لقد فقدت كل عقلي وكل فهمي ، وكل شجاعتي ؛ وبالاختصار ، لقد اخذت مني كل ما كان في . وارتأيت
ان تدمري ما شيدت انت .
انما كيف تتجرأين على ان تعتبري غير اهل بتقدير من شرفته يوماً بعطفك ؟ آه يا صوفي ، اني اتوسل اليك الا تستحي بصديق كنت تميلين اليه في يوم غبر . لاجلك انت اطلب اليك ان تقدمي لي عني حساباً . ألست لك ؟ ألم تملكيني امتلاكاً ؟ ليس بمقدورك ان تنكري ذلك . وحيث اني لك بالرغم مني ومنك ، فامنحيني ان اظل لك .
فكري باوقات الهناء التي مرت بنا ، تلك الاوقات التي لن انساها قط ، ولو ان ذكراها سيشقيني . ان ذاك اللهيب الخفي الذي مدني بحياة ثانية ، اغلى ، وهب لنفسي واحساسي قوة الشباب بكملها ، ورفعني توقد شعوري اليك .
أما كان قلبك يلتهب بعاطفة نحوي ، وقد اغلق دون سواي ؟ كم كنت تقولين لي ، ونحن في الروض الى جوار الشلال : « انك لارق العشاق الذين يرقى اليهم خيال . لا ، لم يحب كما تحب انسان ! » ان ذلك الاعتراف ، باحت به شفتاك ، لظفر لي ، اي ظفر !
آه يا صوفي . ان مجرد التفكير بهجران دائم بعد تلك اللحظات الحلوة ، لامر فظيع لمن يضنيه اشد الضنى الا يستطيع ان يدمج ذاته بذاتك . أصحيح ان عينيك الآسرتين لن تتذابلا بعد امام نظراتي ، بحياء حلو يرخي رغبة وشهوة ؟ ألن احس بعد بارتعاشاتك السماوية ، وبنارك الآكلة ، الخاطفة اسرع من خطف البريق ، الدافعة الى الجنون ؟ آه من تلك اللحظات ، أيمكن ان توصف ؟ اي قلب ، اي اله ، عرفك واستطاع ان يقاوم ؟

