الى كل مغترب ومغتربة :
ما انشأ اباؤكم ذلك الكيان الجبار وراء بحور الظلمات الا لان « اباءهم » قدّوا من هذه الجلامد وطنًا وكيانًا .
وما غامر من عشيرتكم هناك مغامر ، الا لان « عشيرته » هنا ، حملت التراب من المهاوي وانشأت بين الصخور المعلقة قرب منعقد الغمام هذه المدرّجات العجيبة .
وما انتصرت جماهيركم يوم راحت قوافلها تضرب في ارض مجهل فتنقل العمران مع السلع ، ثم تنشئ المتاجر والمصانع ، الا لان الجدود هنا نحتوا الصخور وفجروا المياه وسحبوا من الشوك عنباً ومن العوسج تيناً .
وما تعاونتم جميعاً على نظم تلك الملحمة ، ملحمة هجرة مفردة فريدة كان من اهدافها شوق الى الحرية ورغبة في عيش سمح كريم فضفاض ، الا لان الى جنب كل مهاجر وقفت امرأة تفوق نساء الدنيا صموداً في وجه الدهر ، وصبراً على الكريهة ، وتعلقاً بما اسميناه فضيلة وعفة .
ايه ايها العائدون والعود احمد . ساعة يروح الوزال يحييكم ، ويؤلف حفيف الصنوبر جوقة غير منظورة تهمهم فوق رؤوسكم هذا اللحن المسحور ، ساعة يصفق الجدول ويعزف الشلال ويغني النهر وتزغرد الامواج مرحبة بكم ، ساعة تخيل الينا نحن النساء الفرحات بأوبة النسور ، ان النجوم توشوش الحدث العظيم ، يحلو لنا ان نخشع وان نذكر اطياف عشرات الالوف من الجدات النائمات اليوم نومة الابد في مدافن القرى النائية ! تلكم البطلات المجهولات ، الناظرات العمر الى البحر ، الواقفات على الابواب في مواعيد سعاة البريد ، تلكم البانيات لهذا الوطن امجاداً في آخر المعمور ، بما سلمن الى البحر من فلذات الكبود ، وبما سلحن من الليالي البيض ، وبما صبرن على رؤية البيت يهجره الابن بعد الابن حتى يخلو من الرجال . تلكم المجاهدات رقم واحد ، ان لهن يوم يتمجد بكم لبنان ، نصف الامجاد سواء بسواء !
فيا وارثي بطولة المرأة اللبنانية ، ان « صوت المرأة » ترحب بكم ، وتعيد مع لبنان عيد « عودة النسور » ، وتضع في اعناقكم امانة لتحملوها الى كل مغترب ومغتربة ، وهي ان تظلوا على العهد ، عهد الحب لهذا الجبل ، فلا ينهض بالاوطان سوى صدور الرجال وقلوب النساء .
اما وانتم وارثو البطولة فاننا ندعوكم الى عمل جبار عظيم ، لن تسفك فيه دماء ولن تزهق ارواح .
ندعوكم نحن نساء لبنان الى نيل شرف بطولة لن تبذلوا في سبيلها الا شيئاً من المحبة !
ان المرأة اللبنانية تغتنم سانحة زيارتكم هذه وتضع على اكتافكم صليباً لن ترهقوا بحمله - ان بلدكم هذا الذي احببتموه وطرتم اليه ، غداً مسرحاً لمأساة ان لم تساعدوه على تخفيف ويلاتها تتقلب في شهور معدودة كارثة اجتماعية كبرى . ان في لبنان اخواناً لنا وجيراناً ، قضي عليهم ان يكونوا ناراً وحطباً لمحرقة فلسطين - لقد طردوا من بلادهم وهاموا على وجوههم لا بيت لهم ولا وطن ولا عمل ولا امل ولا غد ! أتعرفون بؤساً يفوق بؤس رجل لا ينتظر من غده شيئاً اللهم الا ذل الاستعطاء ؟ جئتمونا من بلاد يجهلون فيها اللغة العربية ومشاكل البلاد العربية ، لذا عزمنا عليكم ان تذيعوا في اوطانكم الجديدة فور رجوعكم مأساة اللاجئين ، وان تنشروا في جرائدكم حكاية هذا التشريد المروعة . ان في القسم الانكليزي من هذا العدد الممتاز دعوة يوجهها عالم كبير هو الاستاذ احمد سامح الخالدي مؤسس ومدير الكلية العربية في القدس ، ودعوته هذه تحمل حلاً بسيطاً لقضية اللاجئين ، وهو اسكانهم في القسم الباقي للعرب في فلسطين وفي شرق الاردن . ان « صوت المرأة » تدعو لفكرة الاستاذ الخالدي وتدعوكم الى تحقيقها .
لطالما قرأتم في الانجيل : « هنيئاً لمن سقى كأس ماء بارد باسمي » . لقد جاءت السانحة « لتسقوا الكأس البارد » ولتعيدوا الكرامة الانسانية الى مائة واربعين الف كائن بشري يكون على سواحل جيلكم هذا ، دورهم وكراماتهم وأوطانهم .
آراكم تساعدون « صوت المرأة » على ضمد جراح اخواننا اللاجئين ؟
هيا الى البر ، الى تلبية صوت المحبة ، هيا الى عمل البطولة العظيم !


