قال : الم يخيّل لك يوماً ، اذ ترين في منعطف الطريق انساناً يتجه نحوك ، ان وجهه المألوف يخفي وجهاً آخر لا تعرفين له اسماً ؟
في لحظات عابرة يصفو فيها الحس ، تتساقط الحجب البراقة التي يتستر وراءها الانسان ، فتتراءى له حقيقته الاولى واذا به مجموعة رذائل اشبه شيء بكتلة من الافاعي تتمرغ فوق بعضها البعض .
قلت في نفسي : لو ازيحت الستائر ، لو انحلت خلايا الجسم - وما اسرع ما تنحل - فالويل للانسان مما يرى . ان اقل ما يقوله هو : ملعونة تلك الساعة التي هلل فيها النساء حول امي مبشرين بولادتي . الهرب ؟ واين ؟ ... الاستغاثة ؟ وبمن ؟ ... او يخفي المرء عن ذاته ؟ ... نرسيس وقابين ! الوهم والحقيقة : لو كانت لنرسيس عين قابين لألقى بذاته في الماء .
لم يطل الانسان جسمه بالعقاقير الا ليستر عيبه ، ولم يخترع اللعب الا ليلهو به عن واقعه المميت . ان الذي كوّن ابن آدم لم يمن عليه الا بقصر النظر .
قلت : ان كبرياء الرجل قناع يحجب به عن ذاته جمال العالم ، وطغيانه قيد يكبل به نفسه ويشوه مقاييسها . قل : لو ازاح الرجل عن عينيه غشاء الانانية - وما ايسر ان يزاح ، فنظرة عطف تكفي لذلك - لبدا العالم له حسناً كله .
الم تشعر يوماً ، والكلل يهدم اعصابك ، فتقع عيناك على عيني طفل لاه بحلمه السماوي - الم تشعر بالطهر ينتشر
حولك ، ويغمرك باريجه ساكباً في نفسك الراحة ؟
ليت الرجل يفهم هذا الدرس الذي تلقيه عليه البراءة ، فيرى الوجود كما هو ، في حقيقته المطلقة ، موطناً للحب الازلي الذي صاغه على صورته .
الذعر ؟ ولمَ الذعر ، والعالم رسالة حب ؟
قال : بنى ابن آدم المكان على مثاله مشوهاً في ذراته ، ونسج الزمان معبراً لجرائمه نحو العدم . او ليس التاريخ سجلاً للرذيلة وشرحه تبريراً لها ؟ تأملت عمل الانسان فلم اجد الا الأثم مشيراً باصبعه الى صانعه .
هذه مدينة ما ان تطأها قدماك حتى يخيل لك ان جدرانها تنزّ حقداً ، واخرى باهتة كأن معناها في اللامعنى ، وثالثة شبح الانانية يهيمن فوقها . هناك شارع تمرين به فكأنه جدث ، وآخر كأن نوافذه تخفي لصوصاً تتربص للمارة ، وغيره ملطخ بالدم ، وما يليه السوس يقرضه . اصغي الى اصوات الجماهير . الا تشبه مرة عواء الذئاب ومرة لفيف الغربان ، وثالثة نواح النائحات ؟
قلت : ان وراء الحوادث التي تتعاقب عبر الايام ، ما لا تطاله الايام ، وفي اعماق التاريخ ، ما يفوق علم المؤرخين . او لم تقرأ في الكتب ، ان الذي ابدع العالم ، مرّ به فرآه جميلاً كله ، ولذا اختاره موطئاً لقدميه ؛ ثم كوّن الانسان حراً قوياً ليكمّل في اليوم السابع عمل اليوم الاول ؟
لا جمجمة للمحبة يا رجل ، حتى تدركها الحواس . والطهر لا ينبعث الا بمعزل عن الانظار كي لا يجعل منه الانسان سلعة .
في عيني الطفل ما لا يطاله علم العالمين ، وفي حياء الفتاة لغز حيّر عقول المدعين .
قال : كم تحدثت الي عن ايام كنت تجلسين فيها على قمم الارز ، جبل الرب ، حيث تطلين على الوادي المقدس . او لم يخل لك وانت تتسلقين الصخر ان شيئاً يشبه الغاز الخانق يقتفي اثر قدميك ، ويرقى معك فكأنه في تمدده يحاول ان يغمر عوالم الفلك ؟
اذن فاعلمي ان ذلك ليس الا لهب الشر المتدفق من قلب الناس دخاناً قاتماً يتمنى لو يعيد الوجود الى السديم الاول . افتحي عينيك ، امعني النظر ، الا ترين وجه الارض مسرحاً لديدان في غليان دائم كأنه غضبة من صفاء الاثير ؟ او لم تقرأي في الكتب : ملعونة هي الارض التي تدوسها ؟
قلت : في الاعالي حيث تتصل الارض باللانهاية تتحد النفس بالروح المحيي الذي يوشح الوجود ويخترقه ابداً ليعيده الى جوهره النقي .


