كان بيجماليون فناناً خصب الخيال رائع الاخراج ، انصرف الى النحت ، فأخذ يخرج من الحجر الجامد تماثيل حية ، يقف امامها محبو الفن مشدوهين ، وينظر اليها الآلهة وكأنهم يرون في صانعها منافساً لهم في الخلق . ولعلة ما كان يمقت المرأة : يستلهمها آثاره ، وينفر منها في الوقت ذاته ؛ ينحت طرفه في شبهها ويصم اذنيه عن سماع آيات حبها له . كان يبعث الحجر حياً ، ولكنه كان يرد قلبه الحي حجراً . فكأنما كان يسخر من افروديت برفضه النعمة التي تجزلها عليه واهتمامه بجمال صنيعاتها ، دون التمتع بذلك الجمال .
كان بيجماليون يهزأ في داخله بافروديت . وكانت افروديت ، هي ايضاً وبدورها ، تهزأ به ، منتظرة الفرصة الاولى .
وجاءت الفرصة ..
كان بيجماليون منكباً على صنع طرفته الكبرى ، مثال للمرأة المثلى . وقضى في صنعه اياماً وليالي عديدات ، لا هم له سوى النحت ، ولا سمير له أو مؤنس غير هذا الانسان الجديد الذي كان يبعثه الى الحياة . وكأنه اخذ يحس بان هذه المرأة فريدة ، فيها ما ليس في النسوة اللاتي يراهن حوله ويقتبس فنه عنهن . اخذ يرى فيها صورة جديدة لمخلوق جديد ، ليس في المرأة ان قورنت به اغراء ولا جمال . وعاش الاثنان ، بيجماليون وتمثاله الناشئ ، ليس معها ثالث ، امداً طويلاً ، يناجي به تمثاله كل صبح ومساء ، مخاطباً اياه كما لو كان حياً عاقلاً . وكلما اقترب التمثال الى الكمال ، كان يشعر بيجماليون بمحبته تتزايد ، وكلما تحرك الازميل مرة ، تحرك التمثال امامه نابضاً بالحياة ،
وتحرك قلبه خافقاً بشيء لم يعرفه من قبل .
واكتمل التمثال . والقى بيجماليون ازميله من يده ، ووقف يتأمله . ما هذا الذي يرى امامه ؟ هذا الشكل الحلو ، ينقط ندى ، كيف جاء الى حجرته ؟ ايكون هذا ما صنعه بنفسه ؟ وهل يعقل ذاك ؟ فمتى انتشت يداه والازميل فصنعتا مثل هذا أو ما يقاربه ؟ هذا ليس حجراً كما يتراءى له ولم يخلق من حجر .. انه غير صنع بشري .. ان فيه نفحة من نفحات الاولمب .. ان الآلهة بأجمعها قد اشتركت في صنعه .. واطال النظر فيه ، وفي لحظة وجد نفسه ساجداً امامه ، ينظر اليه ، ويمتزج بأعجابه خشوع ووجل . اهي إلهة تزوره في داره ؟ اهي امرأة افرزت من بين النساء ، ارسلت اليه تقدمة من الآلهة اكراماً لفنه ؟ لكن متى كانت المرأة حلوة كهذي التي ينحني عند قدميها ؟ اشخص حي هذا ؟ لا بد ان يكون كذلك . ونهض ، وقرب انامله يمه ، فاذا به يصعق . انه تمثاله وليس غير تمثاله ، تمثال صنعته يده من حجر بارد لا روح فيه .. إنه جامد كحائط الحجرة أو كالازميل الذي طرحه قبل لحظات . وكأن فنه ومقدرته الابداعية اللذين كان يقدسها كل التقديس لم تنفه قيمتهما في عينه كما تفهت حينذاك . ليته لم يعرف الفن ، وليت انامله لم يتفجر منها هذا الينبوع القدسي .. وليت هذا الجسم المنتصب امامه جسد امرأة حية ، امرأة امرأة ..
... ووجد بيجماليون نفسه على عتبة معبد افروديت ، يتعبد فيه لأول مرة . وكانت افروديت تشرف عليه من عل ، فقد كانت تنتظر قدومه ، وعلى شفتيها ابتسامة حوت كل معاني الفوز والهزء والشماتة . واصغت اليه يخاطب تمثالها وهو يلهث :
