ان اهم ما يُبرز رقي التربية الاجتماعية في امة ، حالة الفرد في الطرقات والشوارع والدكاكين وعربات المواصلات ؛ هناك خارج البيوت حيث الجهاد الفردي ، والحركة الدائمة ، والتعامل المستمر بين الناس ؛ حيث يشتد الزحام وتقوم الاسباب الداعية الى الخصام ؛ هناك تلعب الانانية دورها فتظهر الامزجة والطباع في اوضح صورها .
اما في الصالونات ، وفي الولائم والحفلات ، فغالباً ما يلبس المرء حلة الرقة المترفة ، واللطف المتناهي ، يلبس أبهى لبوسه في المظهر والمسلك والتصرف والعادات .
فهنا وان كنا نجد نماذج من التهذيب الاجتماعي الرائع ، الا اننا لا نستطيع الحكم بها على رقي التربية الاجتماعية عند عامة الشعب .
وفي تركيا عدا عما تجده من تهذيب رفيع بين سامي الطبقات ؛ فأنك تجد تهذيباً غنياً ولعله فريد بين افراد الشعب عامة .
اننا نجده بين اولاد الشارع ، وسائقي السيارات ، في الترام والسيارة والمركب ، وفي كل مكان تزدحم فيه الاقدام وتكثر الحركة .
فلا سائق يسابق سائقاً ، ولا طفل
يعلو صوته بالسباب ، ولا اطفال يهيمون في الاحياء والازقة مهملين ، ولا راكب يزعج رفيقه ، ويتدافع معه بالمناكب ليجد لنفسه مقعداً ، ولا شاب يشير الى سواعده المفتولة ويهدد ويتوعد مثيله بالمعركة القادمة .
انك لا تسمع اصواتاً مرتفعة بين المتكلمين ، ولا ضجة عنيفة بين الباعة ، ولا صراخاً وتهديداً ووعيدا .
ولا ترى هناك كسالى يجلسون على الارصفة للعب الطاولة واللهو .
بل ان كل حركة تجري بهدوء وسلام . وكل سؤال تجد له مجيباً يجيبك بابتسام ، ويفسر لك بوضوح ، ويخدمك بطيبة خاطر ، من اعلى الطبقات الى اوضعها .
وكل غريب يحتاج احياناً الى اسئلة يطرحها للاستعلام عما يجهل من معالم في بلاد ليست بلاده ، فلا يفتقد في تركيا المجيب المهذب ، والدليل اللائق ، وقد اضفى اللطف على وجهه رقة نادرة تدعو الى الايناس والاطمئنان .
وهناك ، على شواطئ البوسفور الجميلة ، حيث القصور الفخمة الناطقة بعظمة السلاطين ، تقف المرأة بجانب الرجل ، في البكور والامسيات تحمل حقائب العمل ، تنتظر لتذهب الى حيث
تعمل بجانب الرجل ، تقف بكل لياقة وكفاءة وشمم لتستقل المراكب التي تخفر في المياه ، التي قبل بالامس ، انها ابتلعت جثث الاحرار والمجاهدين .
المراكب تخفر هناك جيئة وذهابا ، تحمل المئات العديدة من العاملين والعاملات ، والمتنزهين والمتنزهات ، من الشعب الذي عرف معنى الحرية ، وهذب حسه علم وتربية ، فرقّ وصفا ، وتوافق مع معالم الجمال . جمال الطبيعة المنتشر الذي لا يفوقه جمال .
كنت اتأمل وجوه النساء الكهلات ابحث بينهن عمن كن بالامس القريب ، مثل اخواتهن في الشرق العربي يرسفن بقيود الاستعباد ، ويتألمن للعادات السخيفة التي كبّلت فيهن جميع القوى .
كنت امتحن الوجوه النسوية علّي ارى بينهن بطلات « البائسات » الرواية التي وضعها عن التركيات بيير لوتي الكاتب الفرنسي المعروف .
او لعلي ارى زميلاتهن أو قريباتهن ، فاذكر الشعور الجامع ، شعور الالم – للانحطاط السائد – الذي نما في قلوب الفوج الاول من العربيات المتيقظات
