طغت على الانسان موجة الحرية مفاجأة، فتماص من كل قيد، وتملكته نشوة طرب ضاعت معها خطة التوازن، فاصبح تفكيره ومساعيه تترجرج بين كفتي ميزان، ولم يعد بالامكان استقرارها على خطة واضحة، فضاع عليه الماضي الذي يأبى العودة اليه، واشكل عليه امر الحاضر المبهم، فوقف يلقي تجاربه، دون ما نظر الى نتائجها، بالرغم من ان الحلة تتطلب التفكير والتروي، والحكمة والرصانة، والنزاهة.
كنا نقاد في تفكيرنا واعمالنا، فأمسينا بين ليلة وضحاها قادة الفكر والخطط والاعمال؛ وكم في هذه السيادة المفاجئة لمن ألف العبودية زمناً، من الخطر على نفسيته ونفسية من عهد اليه امر تدبير مشيئته وتنفيذها في شؤونه.
اضف الى هذا ما يتأتى غالباً من نتائج الحروب الكبرى، من فوضى اخلاقية عامة تطغي على نفسية الشعب وارادته وميوله، فيصبح كالنشوان يريد امراً لا يدري ما هو، ويسعى الى غاية يجهل ماهيتها، ويشعر ان في داخليته حرباً نفسية تتغلب فيها المادة على الروح، وان في الجو قوة ضاغطة تضيق عليه الانفاس، فيسعى الى التملص من كل ما يحيط به، ولكنه يجد نفسه مغلوباً على امره، فتتملكه سويداء وتشاؤم من كل ما حوله، فتختل انظمة تفكيره واعماله، وتنحرف ميوله عن طريق الحكمة والروية، فينصرف الى تقرير امور لا تمت الى التعقل بصلة، من جور في الحكم، واستبداد بالضعيف، محللاً المحرمات، عابثاً بحق الجار، منتهكاً حرمة الصديق، ومغمضاً عينيه عن صيانة افدس ما لديه، لان التضعضع النفسي افقده التوازن الفكري، فبات عبداً لميوله واهوائه، وباتت كل تصرفاته خاضعة لهذا الاحساس الجديد الذي سطا على نفسيته.
وهذا كما قلت نتيجة لعاملين: الاول التطور الفجائي، والثاني الحرب العالمية.
اذن هي عوامل غير طبيعية تناولت ايضاً نفسية المرأة كالرجل، واصبحت مثله تجهل ما تريد، وتأتي اعمالاً لا هي منها ولا من طبيعتها في شيء.
كانت تطلب الحرية فنالتها، وتمنّت امتلاك ناصية العلم فحصلت عليه، ولكنها مقابل هذه النعمة المزدوجة في العلم والحرية خطت خطوة هي اوسع ما يتطلبه علمها وتفكيرها واستعدادها الفطري في حريتها المطلقة الواسعة النطاق.
اذ بينا هي تسحرك بحديثها الرزين وقوة تعبيرها وسعة تفكيرها، وتعمل في شتى الجمعيات، اذا بالفتنة الثانية تبدو كمخلوق آخر، لا تربطه بالاول رابطة ولا تتصل اليه بصلة: فتترك احداهن بيتها واولادها وواجباتها الى عهدة من لا عهدة لهم بالعلم والتهذيب، لتجلس الى زمرة من الرفيقات حول مائدة خضراء تنسى معها شخصيتها وعلمها ومقدرتها ومنزلتها وتفقدها احترام نفسها لنفسها.
تأملوا حالة صديقة تزورني في بيتي فاستقبلها بكل ترحاب وهي بدورها تبادلني هذه المؤانسة، ولكن يا لسرعة ما يتحول هذا الاكرام، عندما تجلس وراء الطاولة فيصبح الضيف والمضيف في حالة لا تتفق مع الكرامة والضيافة في شيء، لان كلاً منهما يصرف جهوده لينال الغلبة على رفيقه ويسلبه ما في جيبه من مال، بمعنى ان كل معنويات اللاعب تتحول الى طمع لا يمكن ان يفسر بغير اللصوصية.
هذه جرعة كبيرة من الصراحة، ومن الحقيقة ايضاً، لاننا مهما زوقنا كلمة اللصوصية، فوضعنا لها اطاراً مطلياً بالذهب وقلنا عنها لصوصية شريفة، فهو اطار مزيف، وهي لصوصية بكل ما في الكلمة من معنى، لان اللص الذي يسرق للحاجة يناله القانون بالقصاص الصارم، اما الضيف الذي يدخل بيتي ليسلبني ما في جيبي فهو في عرف الطاولة الخضراء يستحق كل انواع الاكرام والتبجيل.
فتأملوا هذا القانون الاعوج، وتعالوا نضع السيدة العاملة في حقل الاجتماع، المضحية براحتها في سبيل خدمة الانسانية المتوجعة، في كفة، وسيدتنا اللاعبة، اللاهية عن كل ما هو عمل انساني، في كفة ثانية، انرى ايها ترجح وتأخذ السبق في مضمار الاعجاب والاحترام.
قالت صديقتي الادبية سلمى صايغ في احدى محاضراتها: «ان الامهات اللواتي ذهبن لن يعدن» وهي حقيقة لا تخلو من صراحة جارحة، ولكنها حقيقة لا يمكن لاحدنا ان ينكرها.
فأم الامس لم تكن ذات شهادات عالية، ولكنها كانت اماً بتربيتها المثلى وبتكريسها اوقاتها لبيتها وزوجها واولادها. اما أم اليوم، الحاملة ارقى الشهادات، فقد ترفعت عن ملازمة
