

لم يحب كما احب انسان ، ولم يتألم كما تألم بشر — فكانت قصائده ، واقاصيصه ، ورسائله عن الحب والالم اروع ما سجلت آداب الامم .
كانت علاقاته بالمرأة أجل قصائده ، وحياته اغرب اقاصيصه . ولو لم يحب ويتألم لما كتب ، ولما كان لنا بو .
كانت المرأة له خمراً تسكر لا مخدراً يردي . وكان من اولئك الشعراء الذين عرف عنهم شدة التصاقهم بالمرأة واعتاد ادبهم عليها . كيف لا يكون احدهم — وهو المولع ابداً بالجمال ، يقدسه ويخلده في شعره ؟ كيف لا — وهو ابداً يحلم ( والمرأة حلم اكثر منها يقظة ) ، ويصدمه الواقع ان عاد اليه ؟ كيف لا — وهو يؤمن بأن ليس للشعر غير الجمال من هدف ، والجمال مجرد عن المرأة فكرة لما تتجسم ؟
احب بو المرأة لانه كان في حاجة اليها : هذا اهم ما في قصة علاقاته مع المرأة . فقد عاش حياته كالولد الصغير ، يحتاج الى من يعينه ويساعده . كان قاصراً لا يستطيع ان يسوّي اموره بنفسه . ولولا وجود نسوة من حوله ، اعتنين به كل ايامه واشفقن عليه وأوحين له وأشعرنه الحب والعطف ، لما كان عاش السنوات التي عاشها ولما كتب ما كتب . دليل قصوره انه لم يكن يجرؤ قط ان يخرج من بيته في الظلام ، ولم يكن يستطيع البقاء في الليل وحده ، فكانت أم زوجه تقوم بدور الحراسة ، وتظل تمر بيدها على جبهته العريضة الناعمة ، وهو تائه في خيالاته الفاتحة ، فاذا ما سحبت يدها استغاث بها كالطفل : لا ، ليس بعد !
ولم تكن حاجة بو للمرأة ناجمة عن عجزه عن تدبير اموره بنفسه ، فقط ، بل ايضاً عن عامل نفسي هو فقده حنان الأم في الصغر . فقد ماتت امه وهو في الثانية من عمره ، فشبّ لا يعرف طعم هذه النعمة الكبرى ، لكنه يعرف قيمة طعمها ، فزاد حنانه اليها وتعمقت حاجته اليها ، واصبح يفتش عنها في كل امرأة . لذا لا نستغرب حبه الهائل لأم زوجه ، وحبه طيلة ايامه لنسوة متزوجات يكبرنه اعواماً ، بل تعلقه وهو حدث بأم صديق له ، لمح في ابتسامتها عطف أم قدسها حتى مماته ، و نرت في كل مجرى فكره وشعوره ، فخط فيها بعد وفاتها بسنين أحلى مقطوعاته — « الى هيلين » . لا نستغرب هذا ، وهو الذي رأى بأن الملائكة حين يوشوش احدهم رفيقه في السماء لا يجدون بين كل الفاظ الحب الملتهبة لفظاً اقدس من : « أماه ! » .
منذ حداثته كان بو محباً ، ولم تنقطع صلته بالمرأة يوماً واحداً حتى موته . ذلك لحاجته اليها كما سبق ، ولان حبه كان يمتاز بهذا : انه كان حباً لحب المرأة لا حباً للمرأة نفسها . وهذا ناتج عن شدة انغماسه في الوهم والخيال ، بحيث كان يتصور انه يحب ، وما هو يحب ، بل معجب بالحبيبة لشعرها ، أو معترف بفضلها ، حيناً آخر ، أو طامع في ان تبدد غيوم الاسى التي كانت تكنفه ، حيناً ثالثاً . لا نصمه بالتذبذب ، بل نقول انه كان مولعاً بالمرأة كمرأة ، فأحب كل امرأة أضاءت أفق حياته الحالك .
اما المسز هيلين ويتمان ، التي ننقل فيها يلي احدى رسائله اليها ، فكانت اقرب النساء اليه بعد زوجته . احبها قبل ان يعرفها ، ونظم فيها بعد ان تعرف عليها . وقد طلب اليها الزواج بعد ترمله ، فرفضت لسوء سمعته في الاوساط الراقية . وحدث بينهما جفاء ، لم يخلُ منه حب پو لسائر صديقاته . لكنها عادت اليه واستعطفته في احدى قصائدها ، غير انه مال عنها ولم يجبها . ولها فيه بيت من الشعر جبار :
« سيعرف يوماً ان كنت احببته أم لا ،
لكنه لن يعرف قط كم أحببته » .
كتب بو لاحدى صديقاته : « آه ما اسوأ حظي ! ان لم ينقذني حب حقيقي رقيق ، حب طاهر لامرأة ، فاني لن اعيش سنة واحدة بعد ! » وقد عرف اكثر من حب واحد ، فعاش ، وكتب ، وخلد ..
ت. ص.
لو استطعت ان اضمك الى صدري ناحية قلبي وامس في اذنيك كل الاسرار الغريبة في تاريخي العاطفي ، لعرفت ان ليس بمقدور أي شخص سواك ان يؤثر فيّ هذا التأثير العميق الذي احدثته انت ... وان يضفي عليّ هذا الشعاع الكهربائي ويحيطني به فينير ارجاء نفسي ، ويملأ روحي بالمجد ، والدهشة ، والخوف . أتذكرين جولتنا في المقبرة عندما قلت لك وعيناي تترقرق فيهما الدموع السخينة : « انا احب ، يا هيلين ، الآن — الآن فقط — للمرة الاولى . » قلت ذلك ليس على امل ان تصدقيني ، ولكنني لم اتمالك عن الشعور بالبون الشاسع بين ثروة قلبينا التي بوسع احدنا ان يقدمها الى الآخر : فأنا ، للمرة الاولى ، اقدم نفسي كلها ، دفعة واحدة ، الى الابد ، في حين كانت كلمات قصيدتك ما تزال ترنّ في اذني ...
والآن دعيني ارسم لك بالكلمات البسيطة التي تحضرني التأثير الذي احدثه حضورك شخصياً . فقد شعرت للوهلة الاولى في حياتي عندما تخطيت عتبة باب الغرفة ، شاحبة اللون ، مترددة