الحطى ، كئيبة ، دامية الفؤاد ، وغرست عينيك في عيني لحظة قصيرة ، شعرت بوجود تأثيرات روحية لا يطالها العقل وليس له عليها أي سلطان . فقد نظرت ورأيت هيلين - هيلينتي - هيلين الالف حلم ... هذه المرأة التي خلقها الله لتكون لي - ولي انا وحدي - ان لم يكن الان وفي هذه الحياة الدنيا ، ففي جنة الخلد حيث الحياة الدائمة ، والنعيم المقيم ، تمتمت كلمات لم تعها تماماً . اما انا فلم يطرق سمعي كلام ، وانما سمعت صوتاً ناعماً شعرت انه ليس غريباً عني بل ان اذني تألفه اكثر من صوتي ..
واخذت يدك الناعمة بيدي فشعرت بالنشوة واللذة يدب دبيبها في جسدي . ولولا خوفي من ازعاجك او جرحك لانحنيت اذ ذاك خاشعاً عند قدميك كما يركع البشر للصنم او الاله الذي يعبدون .
عندما كنت تذرعين الغرفة ، في تينك الليلتين المتعاقبتين ، جيئة وذهاباً ، تارة تجلسين بجانبي ، وطوراً تقبعين بعيدة عني ، أو تقفين وبدك على كرسي ، فيخترق الاهتزاز والتأثر الخشب ، ويصلان الى اعماق قلبي - بينما كنت هكذا تتحركين في الغرفة كما لو كان يتنازعك الحزن العميق أو الفرح العظيم - كنت انا اسيرك ، وقد تعطلت حواسي جميعاً ، فلم ارك ، ولم أسمع أو أعِ ما تقولين . ولم يشعر بك اذ ذاك غير نفسي المرهفة الاحساس .
دعيني اقتبس فقرة من كتابك اليّ : « مع تقديري العظيم لفهمك ، واعجابي بعبقريتك اللذين يشعرانني بأنني صغيرة وحقيرة كالطفل في حضرتك ، لا اظن انك تعرف اني اكبر منك سناً ... » لنفرض جدلا ان هذه هي الحقيقة ، أفلا تشعرين في سويداء قلبك ان « حب النفس » الذي يلفظ به الجميع ، هو في
هذه اللحظة على الاقل ، الحب الاصدق بله الحب الحق المطلق ؟ هل للنفس عمر يا هيلين ؟ وهل للزمن دخل في الخلود ، ما قيمة السنوات الهزيلة بنظر النفس الخالدة ، التي ليس لها بدء ولا تعرف نهاية ؟ أواه ، يكاد ينفد صبري ويتملكني غضب شديد عليك لما ترمين به حقيقة عاطفتي المقدسة ، فتجرحينها .
... ألم ارك يا هيلين ؟ ألم اسمع رنة صوتك الموسيقية العذبة ؟ ألم يبدأ خفقان قلبي لدى ابتسامتك السحرية ؟ ألم آخذ يدك بيدي وانظر الى اعماق نفسك من خلال عينيك البلوريتين الجميلتين ؟ ألم افعل كل هذا ! أكنت في يقظة أم في منام ؟ أم بي مسّ ؟
... انت دائماً حياة حياتي ، يا هيلين ! ولا يسعني الا ان احبك واعبدك !.. من لفظ اسمك يوماً بشفتيه دون ان يتأثر ويتمدحك ؟ من وقع نظره عليك دون ان تقعي من نفسه احسن موقع ؟
لو كنت موسراً ، استطيع ان اوفر لك حياة هانئة سعيدة لكنت افخر بالناس الحب منك ... آه يا هيلين ! يا نفسي ! ما هذا الذي قلته لك ؟ وما طلبت اليك عمله ؟ ان كنت اظهر امامك ، يا عزيزتي ، بمظهر الاناني ، فارجوك ان تصدقي اني احبك حقاً ، وان هذا الحب روحاني حتى لو كان صادراً من اعماق قلب متيم . بالله عليك ، يا هيلين ، فكري من اجلي ومن اجلك ...
لا تبطئي بالكتابة اليّ ، واجعلي رسائلك قصيرة . لا تزعجي نفسك وتحمّليها من اجلي فوق طاقتها . ردّدي على مسامعي تلك الكلمات التي تحوّل الارض الى جنة الخلد .
(ترجمة: سمير سجعاني)


