قالت روز وهي تنظر الى امها نظرة ملؤها الحسرة والاسى :
- كلا . أنا لا أطلب اليك يا اماه تضحية شبابك من اجلي . لا اطلب شيئاً . لا اريد شيئاً . ومع ذلك فقد كنت اعتقد ان الانانية لن تبلغ بك هذا المبلغ ، وان قلبك الرحيم سيشعر بواجبه من تلقاء نفسه . اما الآن فأنت حرة وفي وسعك التصرف في حياتك بملء ارادتك !
فاطرقت مدام مارشان رأسها لحظة وقالت :
- واية حياة يمكن ان احبها بعد اليوم ؟ لقد انصرف والدك عني ، وهام حباً بتلك المرأة ، وطلقني ثم اقترن بها . فكيف اعيش ، وعلى من اعتمد ؟ .. اعليك انت ؟ .. ان مرتبك لا يكاد يكفي لشراء فستان وقبعة .. لا .. ما تعودت الحياة في جو البؤس هذا .. لقد عشت منعمة مرفهة ، وليس في مقدوري ان أرى غريمتي ، زوجة ابيك ، ترفل في الحلل الرائعة ، بينما اموت انا هنا غيظاً وكمداً وشقاء وبؤساً .
فرمقتها روز بنظرة حادة وقالت :
- لو كان في فؤادك يا اماه مثقال ذرة من العطف علي ، ما فكرت في التخلي عني ، وما روعتك الحياة البسيطة المتواضعة بالقرب مني . لقد تزوج أبي مدام بجوار ، وانت على وشك الزواج بالمسيو ريمون . كل منكما فكر في نفسه قبل كل شيء . كل منكما فكر في حبه وسعادته . كل منكما اعرض عني ولم يحفل بي ، كما لو كنت مخلوقاً غريباً عنكما ، وكما لو كنت فتاة لقيطة آويتها ردحاً من الزمن ، ثم انصرف عنها قلباكما وخلفاها فريسة للقدر الجاحد الاعمى . اذهبي .. اذهبي يا اماه انت ايضاً ،
واقترني بالرجل الذي تحبينه . وثقي ان جل ما اتقى هو ان اراك سعيدة ولو على انقاض حبي !
فاستضحكت مدام مارشان وربتت على ذراع ابنتها وقالت :
- العواطف تستبد بك يا روز ، وحقائق الحياة تغيب عنك . انا سأقترن برجل غني وفي وسع هذا الرجل ان يغدق عليك المال بلا حساب . وهكذا انقذ نفسي وأثأر من والدك الذي غدر بنا وأرد كيد زوجته في نحرها . فثوبي الى رشدك ولا تتعلقي بالاوهام ووطني النفس على الحياة معي في صحبة زوجي الجديد .
فصاحت روز وهي تزفر :
- ان زوجك المنتظر ، المسيو ريمون ، يكرهني ، يكرهني منذ الآن ، يتبرم بي ، لا يطيق رؤيتي ، يعدني دخيلة بينكما . نعم . انه يكرهني كما تكرهني زوجة أبي الثانية . ولسوف أشعر في غد متى دخلت بينك اني فتاة منبوذة وهو نفس الاحساس الذي يخامرني اليوم كلما زرت منزل والدي !
وتصاعد الدم الى وجه روز واردفت
وهي توشك ان تبكي :
- ابقي معي يا اماه!.. ابقي معي!.. سنعيش فقراء ولكننا سنكون سعداء.. سأبذل قصاراي في تجويد عملي ، وسيكافئني رؤسائي ويضاعفون مرتبي .. لقد وعدت بذلك واقسم لك .. فابقي معي ، واعدلي عن هذا الزواج . انت في الاربعين من عمرك ، ولقد تمتعت بالحياة و ...
فقاطعتها امها صارخة :
- اما هذا فلا!.. لم امتع بالحياة ابداً وانت تعرفين ذلك حق المعرفة . طالما غرر بي والدك وخدعني وآثر اوضع واحط النساء علي . كلا . لن اخدع بعد الآن . لن ابذل في سبيل أي كان البقية الباقية من شبابي .. سأقترن بريمون وسأعيش .. اريد .. اريد ان اعيش .. وليس في الارض قوة تحول بيني وبين تجديد حياتي !
فارتعدت الفتاة وساد الصمت لحظة . وظل القمر الحالم الباهت يرسل ضوءه عليهما من خلال النافذة المفتوحة المشرفة على الشارع العريض .
وفجأة وبعد انقضاء فترة طويلة غمغمت روز وهي تلهث :
- واذن فكل شيء قد انتهى ؟
فأجابت الأم : « نعم » .
فقالت الفتاة بصوت مرتعش :
- وميعاد الزواج ؟ يوم الاحد .. يوم الاحد المقبل ؟ ..
فلمعت عين مدام مارشان واجابت وهي تجاهد لتخفي سرورها :
