وتعيش هكذا بدون زوج أو عشيق.
وضيق الخناق عليها واحد منهم، وكان شريفاً فعرض أن يقترن بها، ولكنها كانت لا تحبه فصرفته في أدب، فحقد عليها، وآلى على نفسه إلا أن يخضعها بالقوة، فدب الذعر في قلبها، وأسرعت بالانتقال إلى غرفة أخرى في حي الطلبة.
وكانت كلما برحت بها الوحدة، وأمضها الألم والعذاب، وتاقت لزيارة أبيها أو أمها، تستقبلها زوجة والدها بابتسامة ساخرة فاترة، وتشعرها أنها دخيلة وغريبة، وتستعجل انصرافها خشية أن يوقظ مظهرها إحساس الرحمة في نفس أبيها فيمنحها شيئاً من النقود.
وأما ريمون، زوج أمها، فكان لا يكاد يبصرها داخلة حتى يجيبها في امتعاض ويستأذن بالخروج.
وأما والدتها فكانت تستقبلها وعلى شفتيها ابتسامة الغبطة والفرح، فتضطرب روز، وتعز عليها الشكوى، وتستنكر أن تنغص على أمها سعادتها، فتصرف خائبة وقد ازداد شعورها بأن الكل قد نبذوها وتخلوا عنها وعكفوا على ملاذهم يستمرئونها في ضرب من الأثرة المجنونة مستهترين غير حافلين.
وكانت في تلك الساعات، وبعد أن توصد على نفسها باب غرفتها، تبكي ما
شاءت لها حسراتها المكبوتة، وتذرع الحجرة في كمد محموم، وتفتح نافذتها، وتطل على الشارع، وتشرف على الفتيان والفتيات يمرحون طائشين جذلين، فتعض شفتيها، وتلوي وجهها، وتعود فتغلق النافذة، وتؤتي في غيابة سجنها كعصفور بري حبس في قفص ضيق مظلم فاضمحلت قوى جناحيه وانتاب اليأس روحه وفقد طعم الحرية ونسي أو تناسى زرقة السماء وفسحات الجو الشاسع الجميل.
★
وانقضت أيامها على هذه الصورة، إلى أن أشفقت عليها المقادير وأيقظت في فؤادها عاطفة الحب.
أحست من نحو ( البير )، وهو موظف صغير من زملائها في المصرف، بعض الاضطراب المشوب بالحيرة والأسى.
وكان البير لا يشبه رفاقه في شيء. كان يحترمها ويبالغ في إكرامها ويحرص على الدفاع عنها وينبري لخدمتها كلما احتاجت إلى مساعدة. وكان شاباً وسيم الطلعة، أسود العينين، واضح النظرة، عريض الجبهة، مستقيم الخلق، فمالت إليه، واطمأنت إلى صداقته، واستفاقت ذات يوم وإذا بحبه يملأ قلبها ويصب على حياتها ذلك الضوء الذي طالما حلمت به وتلك الحرارة التي لا بد منها لزهرة شبابها كي تعيش وتنمو وتؤتي ثمارها.
وأحدث الحب في نفس الفتاة الشريدة المنبوذة انقلاباً عجيباً أدهشها وروعها وأدناها من السعادة الكبرى التي كانت قد يئست منها.
وبدأت تعيش من أجل البير، وتفكر من أجله، وتدخر النقود من أجله، وتتجمل من أجله.
وبدأت تخرج إلى الحدائق العامة في
صحبته، وتغشى المسارح ودور اللهو في رفقته، وهو فرح بها، مزهو بحبها، لا يفكر في انتهاك حرمة هذا الحب، ولا يخطر على باله لحظة واحدة أن يغرر بالفتاة البريئة التي وثقت بشرفه وآمنت بنزاهته.
ووعدها بالزواج في العام المقبل بعد أن يفوز بالعلاوة السنوية، ويستطيع حمل أعباء الزواج، وينقذ امرأته من واجب

