العمل اليومي ، وبكفل لها الحياة في بيتها
آمنة مطمئنة .
وكادت روز تجن فرحاً ونشوة ،
وهزها الحب كما جز الربيع الشجرة
الناضرة ، فامتلأ بدنها ، وتوردت وجنتاها ،
واستضاءت روحها ، وأفاض عليها الامل
سحراً طارئاً جعل منها امرأة فاتنة المظهر
كاملة الانوثة ، مشرئبة النفس والجسد نحو
القوة والسعادة والحياة .
ولكن اسرافها في الاعراب عن سعادتها ،
وعجزها عن كتمان حبها ،
ورغبتها الخفية في مضاعفة ابتهاجها بالاعلان
عن عظيم سرورها ، كل هذه الظواهر
لفتت اليها الانظار ، وفضحت سر فؤادها ،
وألهبت عاطفة الغيرة في نفس رئيسها
المباشر الذي كانت قد اعرضت عنه ،
فشرع يضطهدها ويستبد بها ويصب جام
سخطه على حبيبها ويلفق عليها التهم
كسابق عادته ويجسم الاخطاء ويحاول
بالتأثير على مجلس الادارة ان ينتقم منها
وبفصلهما آخر الامر عن هيئة العمل في
المصرف .
ولم تكد روز تنشب بالامل ،
وتشرف على اليقين وتؤنو الى حياة
الاستقرار والامن ، حتى تنكر لها القدر
مرة اخرى ، وعاجلها بضربة قاصمة ،
وردها في مثل لمح الطرف الى حياة
البؤس والتشرد التي كأنها لم تخلق الا
لاجلها .
واحتوتها باريس في جوفها السحيق ،
وتقاذفتها امواج الذل والفاقة ، وانطلق
البير يبحث عن عمل جديد ، وجعلت
روز تنفق مما ادخرت وتبحث هي الاخرى
عن عمل ، ولا تنفك تشجع حبيبها
وتستحث نشاطه وتستنهض همته وتلوح
له بالمستقبل الزاهر .
غير ان كوارث العطل تفاقمت ،
وبقايا النقود تبددت ، واثقال الديون
تراكمت ، وأطل الجوع برأسه الاسود ،
ونابه الحاد ، فخيل الى روز ان العناية قد
لفظتها وانها بين امرين : اما ان تتهتك
لتعيش ، واما ان تسرع فتلقي بنفسها
في نهر السين .
وعندئذ ذكرت والدها ، وتمثلت
حياته الرغدة أمام عينيها ، ولأول مرة
منذ استقلالها ، لأول مرة منذ فرارها ،
لاول مرة منذ عرس امها ، عولت ان
تذهب اليه وتناشده عاطفة الابوة الا ان
ينقذها ويحميها ، ينقذها من وطأة الفاقة
خشية ان تزل بها القدم فتفقد نفسها وتفقد
حبيبها وتفقد كل شيء .
وكان والدها المسيو بونار قد تزوج
امرأته الثانية عن طمع في مالها واعجاب
شديد بجمالها . فلما انقضت نشوة الاعجاب
ظل الطمع في المال مستولياً عليه واصبحت
المرأة في نظره حجر عثرة في سبيل لذائذه .

