فجعل يقلب أوجـه الرأي ، ويتأمل في خير ضربة يمكن ان تصيب من هـذا الحب مقتلًا .
ولم يتردد ، وقام لساعتـه ، وجلس الى مكتبه ، وطفق يتدرب عـلى تشويه خطه ومسخ معالمه توطئة لوضع الرسالة الهائلة التي ملأت عباراتها خياله واثلجت صدره . وانه ليرتاض على اساليب التزوير والغش ، واذا بجرس التلفون يدق ، فتنبه وتولته رعدة .
كان البير هو الذي يخاطبه . انبأه انه قد وجد عملًا في احدى الشركات وكلفه ابلاغ النبأ الى روز .
هذا الحادث غـير المنتظر ، ضاعف خوف بونار ، واشعره باحـتمال الفشل ، فازداد اصراراً وعناداً ، وانكب على وضع الرسالة حتى اتمها .
وكانت امرأته لم تزل عند صديقتها ، وكان على موعد من ابنته في مساء اليوم نفسه . فابتسم ابتسامة خفيفة وانحنى على التلفون وخاطب ارمان ودعاه لتنـاول العشاء معه ، ثم رتب اوراقه ومزق بعضها واخفـاه ثم نهض .
وكان يعرف في ارمان شوقه العظيم الى خـلوة تجمعه بروز وكان يعرف فيـه ايضاً حدة العاطفة وغلظـة الحس وبلادة الضمير ، فاطمأن الى خطته وانطلق وقد استضاء محياه ولمع في عينيه بريق مخيف .
وهرول الى الخارج وارسل الخطاب مستعجلًا بعنوان البير . ولمـا القاه في صندوق البريـد تنفس الصعداء ، وهز كتفيه غير حافـل ومضى من فوره الى حيث تقطن احدى الراقصات من صديقاته .
وهناك اخذ يلهو ويعاقر الخمر وقـد وطن النفس على تجنب العودة الى البيت قبل منتصف الليل .
وكان البيت في هدأة المساء ساكناً يخيم عليـه صمت رهيب . ولم يكن في جناحه الايمن البعيد غير بعض الخـدم يعدون طعام العشاء . وفي نحو الساعـة الثامنة اقبلت روز فاستقبلها رئيس الخدم فدهشت لتغيب والدها ومضت الى البهو الكـبير .
وانها لمستغرقة في خواطرها ، تتأمل الاثاث الرائـع ، والرياش الفاخرة ، والرسوم الجميلة ، والتحف الفنية النادرة ، واذا بارمان يدخل ، ويحييهـا ويستفسر عن تغيب والدها ، ثم يجلس بجوارهـا متبسطاً في حركاته وحديثه محاولا كتمان فرحه واخفاء سروره بهـذه الفرصة التي طال انتظاره لها .
وكان النسيم يهب من النافـذة عليلًا رقيقاً ، يداعب الاستار ، وينعش النفس ، ويرقد الاعصاب ، ويبعث عـلى التأمل والحلم .
وبدأ ارمان يتحدث في ادب وتحفظ ، ثم مال صوتـه الى الاسى ، ثم نهدجت نبراته ، فبهتت روز واحست شيئاً من القلق ، وفكرت في ان من واجبهـا ان ترحل . ولكن الشاب ضيق عليها الخناق بألفاظه المعسولة ، وتوسلاته الحـارة ، فرضخت على مضض ، وعاتبته على اقواله وقد استولى عليها الدهش وتملكها الذهول .
وفجأة خيل اليها انها تسمع وقـع اقدام خفيفة وشبـه حركة بجوار الباب ،

