
فتلفتت وهمت بالنهوض ، فاستضحك ارمان وجذبها من ذراعها وانصت فلم يطرق مسمعه شيء فعاد الى الضحك ، وعاد الى المغازلة ، فتوترت اعصاب الفتاة ، وملكها الخوف ، ونهضت ثانياً ، واصرت على مغادرة البيت .
والواقع ان خيالها المضطرب جسم لها صوت الهواء وهو يضرب الاستار ، فوثبت الى الباب ، وتبعها ارمان ، ولما ايقن الشاب ان لا احد هناك ، جذبها اليه مرة اخرى ، فصرخت مستنكرة ، وحاولت التملص منه ، ولكنه وقد أثارته مقاومتها ، احتضنها وضمها في عنف الى صدره وركل الباب بقدمه فأوصده ، ثم انهال عليها تقبيلاً وهو يطيب خاطرها ويعدها بكل شيء ويعرب في حرارة عن رغبته في الاقتران بها .
وفي نفس اللحظة ، وقبل ان تستطيع دفعه عنها ، فتح الباب ودخل « البير » .
ولم يكد يخطو خطوة واحدة ، حتى جمد في مكانه ، وفغر فاه كأبله ، وجعل يحدق اليها كمعتوه ، وقد أيقن في صميم روحه ان الصديق المجهول الذي ارسل اليه الخطاب كان وفياً وكان صادقاً .
وساد الصمت فترة ، وسحق الذهول نفس الفتاة وعقد لسانها ، فلم تستطع في مبدأ الامر النطق بكلمة . غير انها ثابت الى رشدها واستجمعت قواها وصاحت وهي تكاد تبكي :
- البير .. لا تهمني .. ان هذا الرجل ..
- وقبل ان تتم كلامها انتهز ارمان الفرصة للقضاء على غريمه ، وصرخ :
- انها عشيقي !
فجن جنون روز وقالت وهي ترعد :
- انه يكذب .. يكذب ..
وقبل ان تتكلم ، قبل ان تدافع عن نفسها ، تراجعت جاحظة العينين اذ ابصرت البير يلقي عليها نظرة احتقار هائلة ويستدير ويخرج نواً من الحجرة .
عندئذ طاش صوابها واندفق الدم الى رأسها وارسلت صوتاً ممزقاً وتبعته الى الخارج فدفعها بعنف وانصرف لا يلوي على شيء ..
فجدت في أثره ، ولحقت به حتى الشارع ، وجعلت تصرخ وتناديه ، ولكنه كان يعدو كمن يفر من خطر محتوم ، وظل يعدو وهي تلاحقه ، حتى صادف احدى السيارات العامة فاستقلها ، فتمهلت روز حتى اقبلت سيارة اخرى فوثبت اليها وقد عزمت على الذهاب الى حيث يقطن البير .
ولما وصلت وسألت عنه قيل لها انه خرج ولم يعد . فهرولت الى الشارع مسرعة ، ولبثت واقفة بجوار البيت ، تحدق الى المارة ، وتزفر ، وتنتظر .
وانقضت ساعات ، وانهك التعب قواها ، فاشفقت عليها صاحبة البيت ودعتها الى قضاء الليل عندها ، فامتثلت ، وظلت ساهرة ترقب الشارع من خصاص النافذة ، حتى تقلص الظلام ، ولاح الفجر ، وطلعت الشمس ، واحتدمت الحركة والحياة . وعندئذ اقبل غلام يحمل من البير الى صاحبة البيت مبلغاً من النقود ورسالة يطلب اليها فيها ان تصارح روز بأن كل شيء بينهما قد انتهى ، وانه قد وفق الى وظيفة في احدى الشركات ، وانه التمس الى ادارة الشركة ان تعينه في فرع لها خارج باريس ، وانها قبلت ، وانه سيغادر العاصمة في نفس اليوم .
ووقع النبأ على روز وقع الصاعقة واذهلها ، وردها في مثل لمح البرق مخلوقاً مجرداً من كل نشاط وقوة .
تداعت آمالها ، وايقنت من سوء طالعها ، وازداد اعتقادها بأن الحياة لم تخلق لها ، وان ثمة قوة شريرة تطاردها ، فتجاملت على نفسها ، وشكرت صاحبة البيت ، وخرجت زائفة العينين ، مسلوبة الحول ، مضطربة الإرادة ، ويممت وجهها شطر نهر السين .
وقبل ان يعاودها سلطان العقل فيضعف من عزيمتها ، تقدمت بخطى سريعة ، وفي غفلة عن السابلة ، وفي حمى اليأس والجنون ، القت بنفسها في النهر ، فاحتضنها وغيبها بين اطوائه واسدل عليها ستار النعمة والراحة والنسيان !
