
يوم التقى ملك الجحيم ابنة الارض، تمخّض الكون بالخريف.
ذنبه، أم ذنبها؟ أم ذنب عابثين: أشارت بطرف عين، فسدّد وليدها الضرير سهمه، وايقن پاوتو ان الجحيم الحق ليس في هاويته، بل في ضياع پرسفوني تلك من يديه.
وكانت تلعب مع اترابها، وتقطف الزنبق والياسمين، عندما امتدت اليها يد، اقتطفتها أنقى من الزنبق، أعطر من الياسمين.
★
قبل ان يولّي الخاطف مع لقيته، كانت سيريس، ربة الارض، قد أحسّت بما كان:
فالأزاهير، في عينيها، ذبلت؛ والطيور، في سمعها، فحّت؛ واعترى الربيع السرمدي كآبة.
لم تسل زفساً، ولم تعد الى معشر الارباب: أدركت ما حدث، اذ دلّها قلب أمّ اكثر مما كان سيدلّ لها ذاك وأولئك.
وعافت ملكها وألوهيتها، لتفتش عن ابنتها، ولتستجيب الى نداء بعيد يجشرج في اذنيها:
— أماه ..
★
جابت بقاع الارض، فما وقفت لپرسفوني على اثر.
ساءلت الحقول، فبزّت السنابل رأسها. وعرّجت على مروج الزنبق والياسمين، صبحاً، فتساقط الندى من
عيونها دموعاً. والاشجار الهرمات لم تعطها شيئاً، فعيونها شاخت، ولم تعد تبصر من يمرّ أمامها. وكأن الارض فقدت سمعها والبصر، فما سمعت خطىً وزعيقاً، ولا رأت فتاة ترفس مُلكاً لتحتفظ بزنبقة وياسمينة.
وفهمت سيريس: انها ربة رحوم، منحت الارض الحياة؛ وپاوتو كافر، الجحيم في يديه؛ فخافته الارض، وصمتتْ، وصمتها المرائي خداع ونفاق.
★
ولعنت سيريس الارض.
واختفى الربيع، ومال الخصب، وغابت الخيرات. واعتلى الارض قحط وجدب، وغرغرت الفيضانات، ونكست النسمات الخضراء رؤوسها.
— ابنتي ضاعت، قالت؛ فلتضع من الارض الحياة.
★
وفي الهاوية، كانت پرسفوني تقاوم الحياة.
في ارض الموت، كانت تسعى الى الموت، فلا تجده.
ولم يعرف فيها طعماً لأي من المأكولات، ما ترك پاوتو طعاماً من نبات الارض وحيوانها لم يقدمه لها، فعافته كله. وكان غذاؤها ذكريات واشجاناً.
الى ان لمحت على المائدة حبّة رمان، عرفتها، عرفت على أية شجرة نمت، عندها في بستان امها، قرب جنة الزنبق والياسمين.
وعضّت عليها، على حبة الرمان، تخفي غصّة أليمة. جرعة من عصيرها، جرعة واحدة. وقهقه
پاوتو. وألقت الرمانة من يديها.
★
وتدخّل، آنذاك، زفس: فنبات الارض يذوي، وحيوانها يموت. وقد تاق أنفه لشم روائح المحرقات والذبائح. وحادث سيريس، فانفجرت اساريرها. واتفقا على ان تعود پرسفوني الى امها، شرط الا تكون ذاقت في الهاوية اكلا. ورضيت سيريس، وما راعها غير ضحكة ساخرة عصفت في اذنيها من حيث لم تدر.
ووافق پاوتو. ولأول مرة رآه الجحيم يضحك، وقد امسك في يده ببقايا حبة رمان.
★
وكان زفس وسيط الصلح.
فأفتى بأن يحتفظ بپرسفوني كل من امها وزوجها ستة اشهر، وان تظل بينهما، ابداً، كذا في تناوب.
فكانت تجيء الى امها، فان عانقتها أثمرت الاشجار، وغنّت الطيور، وعبقت الرياض، والتقى المحبّون.
وتعود الى زوجها، فان افلتت من عناق امها، انقلب عرس الكون مأتماً..
★
... وكان الخريف.
