أنزلت « صوت المرأة » في مطلع هذا الصيف ، رسالتكم القيمة الى نساء لبنان في ارفع مكان واعز منزلة ، وان آلم هذه المجلة أمر ، فهو اضطرارها اليوم الى الوقوف منكم ـ وانتم من انتم ثقافة وعلماً وحسن احدوثة ـ موقف المحب العاتب .
وبديهي انكم ستنزلون هذا العتاب منزلته الشرعية الحقة ، لانكم تقدرون اخلاص المرأة ، وتفانيها ، ونزوعها للخير ، وتجردها عن هوى النفس ، ووقوفها منذ ما ارسلت نبراتها على صفحات الصحف أو من فوق المنابر ، موقف المواطنة الواعية المسؤولة القائلة :
« إن كل فرد للمجموع وان المجموع لكل فرد » .
ولقد تعثرت هذه المرأة حيناً ، وجازفت حيناً ، وتهورت حيناً ، ولكن ما من احد يقول انها لم تكن الصادقة الوفية الصريحة على كل حين وفي كل حال .
*
وبعد فإنكم يا معالي الوزير الصديق تعتبون على الصحافة لأنها تظهر لبنان بصورة تنفر المهاجرين عن الوطن ، وتضعون في عنقها مسؤولية « احدوثة فاتّة » لا تشرف لبنان في دنيا الغرب .
هذه الصحافة ، هذه المدارس المتنقلة بين الحوانيت والدساكر والقرى ، هذه الاجراس المطلقة رنينها بين الاميين ، ينظرون فيتحرقون فيبيعون الكرم والبيت لتعليم الابناء ! هذه الصحافة ، اميرة الاغراء المحمود ، هي كل هذه الجيوش من اهل الادب ابتداءً من فارس نمر ويعقوب صروف وجورج زيدان وخليل سركيس ومروراً بالشهداء احمد حسن طبارة والمحمصاني وعبد الغني العريسي وفيليب وفريد الخازن وانتهاء بكميل شمعون وغسان التويني ومحمد البعلبكي ورشدي معلوف وميشال شيحا وجورج نقاش واخوانهم هؤلاء الوارثون شقاء الادباء وهموم الادب .
لا ، يا صاحب المعالي ، هذا الادب لم ينفر المغتربين ـ لان المغتربين لن ينفروا من شيء ! ولان حكاية حبهم لهذا الوطن هي كرواية جبران عن حب يسوع للمجدلية ساعة قال لها :
يا مريم . لقد احبك الرجال من اجل لذاذاتهم واما انا فاحبك من اجل نفسك !
لا ايها السيد التقيف ! هذه الصحافة وهذا الادب لن يصرفا اللبنانيين عبر البحار عن زيارة لبنان ولن يدفعهم الى اليأس من « رجالات » لبنان لان حبهم لهذه الثلوج ولهذا الارز هو كحب تلك الام تفضل من ابنائها « المريض حتى يشفى والغائب حتى يحضر والصغير حتى يكبر ! » .
*
أرأيتم يا حضرة الصديق الوزير مهداً حملتم به صغيركم الى جديه في البرازيل ؟ ذلك المهد المبطن بالخوافي وبالحرير ، والمنمق بمثل الغمامات من الدانتلا الثمينة الشبيهة بالهواء او ببخار الماء ؟ أرأيتم تلك العلب المذهبة بألف فن وفن يهديها الشبان الى خطيباتهم في عشايا العيد ؟ ان الادب والادباء يحلمون ان يجعلوا من لبنانهم شيئاً جميلاً متقناً ، شيئاً نظيفاً بهياً يذكر بالمهود المبطنة بالخوافي وبالحرير ، وبهدايا المحبين في عشايا العيد .
هذا ، وعربة الزمن اصبحت تسير بسرعة هذه الطائرات ... فلا تلوموا اهل الادب ان هم استعجلوا الزمن ! لا تعذلوهم ان هم ارادوا ان يتذوقوا « هناء الفردوس الارضي » قبل رحيلهم الى الجنات السماوية .
*
لقد ناديتمونا من اذاعة لندن لنتعلق باهداب النظام تعلق الشعب البريطاني ! أتحسبونها جسارة واقتحاماً اذا ما قال لكم « صوت المرأة في لبنان » :
هلا جعلتم لنا اولاً حكماً صالحاً كذلك الذي ينعم في فيئه الشعب البريطاني الهنيء السعيد ؟؟
أتلومون هذا الشباب الطالع الطامح بمكان مرموق في دنيا التقدم ان هو شعر بغصة ساعة ينزل الى المرفأ يوم قدوم البواخر ؟ وساعة يسير في شوارع هذه العاصمة ويرى جدرانها وزواياها ؟ وساعة تملك عليه مذاهبه فوضى السير ؟ وساعة يسمع هذه الالفاظ البذيئة يجترها هذا الناس ؟ وساعة يقرأ الاحكام بالسجن على الادباء وارباب الصحافة ؟
هل يلام حقاً وهل يسجن حقاً هذا الشباب عندما تحييه اخبار مكانة يحسد عليها وزراؤنا في البلاد النظيمة ثم ينزل من سحاب العظمة فيصطدم بهذا الواقع ؟ هل تجرم هذه الصحافة اذا تألمت واذا شعرت ان العمر يمر سراعاً فاستعجلت يوماً يصبح فيه لبنان نظيماً مثل بريطانيا العظيمة ؟
*
يا معالي وزيرنا الشاب المحترم ، التمس منكم ان تأخذوها من امرأة : ان للشعب اللبناني نساءً ورجالاً ان يألم لأن في الحكم شباباً واعياً تقيفاً مثل معاليكم ! ولأن لبنان لا يزال كما ترونه ..
ولعل من الخير ان تأخذ جميعاً ، نساءً ورجالاً ؛ حكمة نطقت بها بنت صغيرة من ابناء المغتربين قالت :
« يا خالة ! إن من يسير في عاصمتكم يحسب ان « وطنكم » في منتهى البشاعة ! ولكن الحمد لله ان هنالك الجبل ، والغابات ، والارز ، والشاطىء ، وبعلبك ! »
سلمى صائغ
