كنت في ذلك الأسبوع الأخير من السنة منهكة بالخياطة، أسوة بكل النساء العاملات في المدارس المخصصات عطلتي الميلاد والفصح لقلب الأثواب وتغيير زيها، فهذا يقصر وهذا بطول وهذا يتحول من رداء واسع «رسمي» إلى ثوب يلبس في كل ساعة، وهكذا...
وللمرة الأولى اقتحمت اللون الأحمر - يا للداهية! شقراء وتلبس الأحمر - فاشتريت قطعة من المخمل الوردي وفصلتها معطفاً أدفأ به عند نهوضي من النوم وأخفف به إثر إيابي من الشغل.
كان النهار من أقسى أيام الزمهرير، ذات البروق والرعود وكان البرد يجيء موجات، موجات، فينقر على الزجاج المكتسي من الداخل غشاءً بخارياً ثم يتجمع أكواماً صغيرة تذوب في دقائق، ثم تنهمر المياه وتدخل من تحت أبواب الشرفات ومن شقوق النوافذ. وبينما أنا واقفة أمام المرأة والخياطة تفتق من هنا وتضع دبوساً هناك علا صراخ ابنتي في الدار:
ماما! يا ماما! تعالي إن جارتنا الماس تموت!
أسرعت ورأيت أخت الجارة وقد تبلل ثوبها حتى جلدها وهي تبكي وتستجدي المساعدة، فقد أغمي على أختها أثر ليلة من الحمى وليس في البيت أوقية فحم لتسخين كوب من الماء.
قالت بنيتي:
- لا تخافي من المطر، خذي مشمعي. الله يخليك، يا ماما.
وأسرعت تهيء ما تيسر من اللبن الساخن وغيره، فخلعت قطع الثوب الأحمر المفككة ولبست رداء المدرسة، وجاءتني بمشمعها الصغير فوضعته على رأسي وكتفي وحملتني الطبق فهرولت به في منحدر إلى بيت الجارة وكان صوتها يتجاوب مع صوت الخياطة:
- على مهلك يا ماما، على مهلك.
كان البيت كله شبه غرفة صغيرة لا نافذة لها، تعود الملاك صاحب «الحارة» خزن وقود الشتاء فيها. فجاءت الجارة المسكينة ومعها أطفالها الخمسة وطلبت استئجارها، فقبل صاحبنا وأخرج الفحم والحطب وأدخل الأطفال.
المرأة السمراء المتقعة متمددة فوق فراش وضع على الأرض من الجدار الجنوبي إلى ما قبل الباب بذراع واحد.. كان الفراش ملتصقاً بالجدار الشرقي، وإلى الجدار الغربي رأيت خزانة قديمة بعلو متر واحد وضع فوقها زوجان من الكراسي. وكان في الزاوية على بعد متر من الخزانة قسطل دورة المياه للطوابق العليا وقد تشقق فتسربت منه مياه سوداء قذرة كانت
