لما ركب بطرس همام البحر قاصداً الى البرازيل صبيحة ذلك اليوم الادكن المطر ، مخلّفاً في البيت امرأته حنه وهي بعد عروس لم ينقض على زواجها اكثر من ستة اشهر ، لم يجد في سفره احد من اهل الضيعة اية مفاجأة أو غرابة . فقد كان نصفهم على الاقل غائباً في اميركا ، لذلك لم يسع حنه الا ان تكفكف دمعها وتتقبل الامر كما يتقبله غيرها من نساء الضيعة - وليست احسن منهن - ومنهن من تركها رجلها بعد اسبوع من الاكليل ومن تنتظر عودته منذ عشرين سنة .
وما كاد بطرس يصل الى البرازيل حتى بشرته حنه بولادة طفل لها . فسر به وأرسل يسميه مخول على اسم ابيه ويطلب صورته ويؤكد لها وعده لدى وداعها أنه لن يمكث في البرازيل اكثر من ثلاث أو اربع سنوات . وتوالت رسائله بعد ذلك تحمل اليها والى ابنه والى الضيعة كلها شوقه منثوراً حيناً ومنظوماً في ابيات من الزجل حيناً . وبين هذا وذاك شيك يبلغ من المال كانت حنه تحرص على احاطته بهالة من الاسرار ، فتضعه في عبها وتنزل الى بيروت وحدها فتقبضه من البنك ، فيذهب له في الضيعة حديث وتنسج حوله النساء في اجتماعاتهن ألف اسطورة واسطورة . فاذا سألنها داورت في الجواب وقالت : « يقبرني بطرس ! قلبه حنون ! »
وفجأة سكت بطرس . لا شيك ،
ولا كتاب ، ولا خبر . وكان في السنة السابعة لسفره . وتوالت الايام دون ان تعلم حنه من أمره شيئاً . قيل لها باديء ذي بدء انه انتقل الى قرية بعيدة في مجاهل البرازيل ، ثم قيل لها انه افلس في تجارة فهرب من دائنيه خارج الحدود . ثم قيل لها اشياء اخرى فظيعة . فلم تصدق كثيراً ولا قليلاً من هذه الاقوال .
ولا يعلم احد بالضبط كيف استطاعت حنه ان تحتال على العيش طول هذه المدة وان تربي ابنها . ولكنهم كانوا يرونها وقد رثت ثيابها وبانت عليها المسكنة ، تنصرف الى اعمالها البيتية او تسوق عنزة لها الى الحقل ، او تعود من القداس يوم الاحد خافضة الرأس فلا يكلمونها الا لماما . واذا سألوها عن بطرس تكلفت ابتسامة كئيبة وكذبت عليهم ورددت عبارتها المألوفة : « يقبرني بطرس » ثم تضيف : « يريد ان يرجع ليرى مخول . لقد احترق قلبه على ابنه ! »
وكبر مخول وصار يفهم . واتفق ان سمع امه ذات يوم تقول ذلك فانتفض صائحاً :
- أي قلب هذا هو الذي يحترق علي ؟ اريد ان اسافر الى البرازيل لأرى هل لي أب !
ولبط الارض . فضحك من ضحك شامتاً ، ورثى بعضهم لحاله فدنوا يواسونه ، فبرطم وركب رأسه الى البيت تاركاً امه تلحق به وهي تمسح دموع القهر وتود لو تنشق الارض بها .
وعبثاً حاولت حنه اقناع ابنها بانه لا يزال صغيراً - كان دون الثامنة عشرة من عمره - فقد وقف بوجهها كالعمود، واصر على تنفيذ ما قال . فلم تجد بداً ان تنزل عند طلبه ، فاعطته اساورها فباعها بما يقارب نفقات السفر ، وسافر .
ادار مخول ظهره لأمه كأنه لا يحس بشيء . حتى انه لم يبادلها عناقها الباكي على المرفأ ولم يلتفت اليها وهي تقتحم سلم الباخرة وتكاد تقع في البحر . فعادت الى البيت بين اخيها وابنة عمها محطمة . وجاءت الجارات يتمنين لها ان تلاقي بالسلامة من ودعته بالسلامة فقالت : « يقبرني بطرس ! لقد ارسل يطلب مخول ليتسلم اشغاله ، والا فكيف يستطيع ان يعود وليس عنده عوض ؟ »
اما الحبيبات فتبادلن نظرات ذات مغزى . لقد كن يعرفن منذ زمن ان بطرس يعيش مع خليلة له يحبها وتحبه . يقال انها من احسن عائلات البرازيل . جميلة وغنية . فكيف يخطر له ان يتركها


