الى حنه وعزتها ! واما حنه فكانت تعلم انها تكذب عليهن ، ولكنها كانت تصدق نفسها .
ومضى عام وبعض عام دون ان تتلقى حنه رسالة من مخول . لا انه وصل ولا انه رأى اباه ، ولا أي شيء . وكاد اهل الضيعة ينسون مخول كما نسوا بطرس من قبل ، ودخل في روعهم ان حنه ستموت ان لم يكن قهراً فجوعاً . واذا بخبر ينتشر في الضيعة ذات يوم ، فتقف الجرار على العين ، والمعاول في الحقل ، وتتناقل الافواه :
— مخول بن بطرس همام رجع . مخول بن بطرس همام رجع من البرازيل محملاً ذهباً .
ولم تكن دهشة حنه بعودة ابنها غنياً بأقل من دهشة الآخرين . ولكن فقأ هذه الحصرية في عيون اهل الضيعة قد ملأ رأسها وقلبها وروحها جميعاً بنشوة ما بعدها نشوة . فجعلت تستقبل وفود المهنئين ، ينظرون اليها حيناً والى مخول حيناً فلا يصدقون ما ترى عيونهم وتسمع اذانهم . هي تفتح صناديق الحلوى وتقدم لهم منها وكأنها تدفع ذلك في انوفهم دفعا ، على معرفتهم ببخلها ، وتدس لهم في جيوبهم ، وتتأهل بالكبير فيهم والصغير ، وتمسح دموعها من الفرح وتردد : « يقبرني ان شالله بطرس ! » وتحملق في مخول وتهمهم عليه تعصره على صدرها فيحتمل منها مكرها ، ويتكلف السرور والابتسام . ثم يعود الى عبوسه وسكوته ، يكاد لا يجيب على الاسئلة المنهالة عليه عن ابيه وعن فلان وفلان وفلان ، فلا يفهمون لكل ذلك سبباً بعد تأكيده لهم ان اباه بألف خير وانه عائد قريباً جداً ، ولكن حنه وجدت له العذر من تعب البحر ، فقاموا واستأذنوا بالانصراف .
في الصباح استيقظت حنه وقلبها يضحك . ولكن شد ما كانت دهشتها

