اثبت العلم ان سن المراهقة مرحلة خطرة على الفتى والفتاة، لما يبدو على كل منهما من ظاهرات غريبة، وتغييرات محسوسة، مسببة من تحولات كيانية، كتجدد الخلايا، واكتمال الرجولة عند الفتى والانوثة عند الفتاة.
وينتج عن نضج الغدد تغيرات جمة تتناول حتى المآكل، والمشرب، والملبس والميل، فضلاً عما يظهر على اجزاء الجسم ولا سيما عند المرأة، كبروز نهديها، واستدارة فخذيها، وامتلاء ردفيها.
وهذا الانقلاب الحسي يتبعه انقلاب في نفسية كل منهما، كتغير في الطباع، واضطراب في التفكير، ومغالاة في الصفات.
تشعر الفتاة بتغيرات في نموها، فتدهشها تلك الظواهر الرامزة الى اكتمال انوثتها، والى دخولها في طور جديد، فتصبح عرضة لصراع داخلي نفسي، يبشرها بالخير حيناً، وينذرها بالشر حيناً آخر.
فما هذا الصراع المتناقض؟ هل هو سرمدي في نفسيتها؟ أم هو عارض لا بد ان يزيله الزمن؟
ماذا يخبئ لها المستقبل؟ هل من حدث مريع يخيفها؟
هل لتلك الظاهرات والانقلاب الفسيولوجية السيكولوجية اثر في ذلك المستقبل، لا يتعدى رهبة الانعتاق من رقبة الطفولة، او التهيب من دخول الطور النسائي الكامل؟
لا بد لحل هذا اللغز من ادراك نفسية الفتاة في هذه المرحلة. وما يبدو لي انها تتمنى الاحتفاظ بعهد طفولتها لا كرهاً منها بعالم المرأة الناضج، بل خشية من عالم جديد لم تعتد مظاهره الا تخيلاً.
فما الذي يجعلها متهيبة تلك الانقلابات؟ وما الذي يوقفها واجمة امام صعوبات لا تدرك ماهيتها، ولم تقاس بعد شيئاً منها؟
ذلك الانقلاب في الفتاة ..
ان هذه الوقفة المترددة هي المسببة للاضطراب الداخلي الذي يعتريها في طور المراهقة ويحدث انقلاباً في تفكيرها، فتتغير في نظرها حقيقة الاشياء ويتسرب الشك الى معتقدها.
ولا غرابة في ذلك فالطفلة الغريرة توشك ان تصبح امرأة ناضجة، هي تودع عهداً مرحاً وتستقبل عهداً جديداً.
ان اولى ظاهرات الفتاة في بدء هذا العهد، تركها زملاء طفولتها الذكور، في اللعب والمدرسة، فهم بالنسبة اليها قد اصبحوا رجالاً لا رفقاً، فأسرع نظرة ترفق اعجاباً أو تقديراً، واخف كلمة تلقى في مسامعها تلجؤها الى احتياطات تبدأ بتنفيذها، فهي تطيل ثوبها، وتخفي صدرها، وتغطي كل زاوية من جسمها الآخذ في النضوج، اتقاء لما تسببه تلك النظرات وتلك الكلمات.
وما تسمعه من الاقوال سواء اكان من امها أم غير امها ينمّ عن نضجها، فيضايقها ويبعث في نفسها خجلاً يبدو على محياها.
وهالة الاعجاب التي ترتسم في عيون ذويها وانسبائها الممزوجة بالآمال والاماني تجعلها تتطلب الوحدة ...
وكم يشتد خوف الفتاة، ويطوح بها الهول امام مرأى تلك القطرات الاولى الحمراء الناتجة عن الحدث النسائي.
فتلجأ الى الصمت كأنها تخشى تنبه امها، ويقظة صديقاتها، وقد تقضي فترات مفعمة بالآلام والاوجاع المكبوتة.
تلازم غرفتها في معظم الاحيان،
ملقية بجسدها المتخاذل على فراشها، ناحبة باكية، واجمة.
تخفي الحقيقة عمن يسألها عن مصدر هذا الاحمرار في وجهها، وعن سبب الوجوم والكلال الواضحين في عينيها، فهي تختار دنيا الوحدة لتقضي لنفسها بما يضيق به صدرها من سر دفين، وهي تجاهد لكتم ظاهرتها، ولا تجد ما يخفف عنها سوى صمتها المضطرب.
وقد يشتد بها الحال، فلا ترى ملجأ غير ان تطلق لدموعها العنان.
وهذا الحدث الجديد الذي بدل مرحها ذهولاً، وسذاجتها شكاً وارتياباً،

