... وبالشعر العربي أقصد، هنا، شعر الجاهلية وصدر الاسلام - لا تحاشياً لاطالة البحث وحسب، بل لان تلك الفترة تمثل النزعة العربية الخالصة اكثر ما تميزها أية فترة اخرى، فنتج لذا ان كان الشعر خلالها مطبوعاً بالطابع العربي
الصافي، وكان وصف المرأة بالتالي مطابقاً لذوق العربي القديم فيها، قبل ان يتأثر بذوق ابناء الامم الاخرى، وقبل ان تتأثر المرأة بسواها فتغير في جمالها وتبدل.
ولم اعتمد في هذا البحث مصادر غير الشعر ذاته، ذلك لان اقدمينا لم يعرفوا الفنون المختلفة التي عرفتها الامم فصوّرت جمال المرأة بواسطتها كاللوحة والتمثال، وجلّ ما عرفوا القصيدة. فكان حرياً بنا ان نأخذ الشعر منهلاً اساسياً نستقي منه. واكرم به من منهل: فمن كالشاعر، يستطيع ان يرى ما لا يُرى، وان يتحسس جمال الاشياء، فيقطف ذاك الجمال كما تقطف النحلة حلاوة الزهر، ويقدمه لنا شهداً لم تعرفه ارض الميعاد، وهو في ذلك كله لا يبعث وزوزات تزعج الاذن، ولا يُسبق المنح بعقصات تدمي الانامل الحريرية؟ من كالشاعر، يرى في العدم وجوداً، ويبني من اللاشيء اهراما، وينتشي فتنضم شفتاه فتمات لا يفقه لها معنى وتوقع اصابعه على اوتار من هباء؟ من كالشاعر، اذاً، يستطيع ان يصف جمال المرأة اذا وُجد، وان يتخيل جمالها اذا لم يوجد، فيصفه وكأنه واقع، كما فعل الشاعر الاول قبل خلق حواء؟
ولا غرابة في ان يتعرض الشعر لجمال الجسد ويطيل في التغني به. فكيف ننتظر ان يتحدث عن سائر مظاهر الطبيعة البكماء، وان يصمت عن احسن ما خلق الله واجمل ما فطرت الطبيعة؟ عن الجسد، وهو مُلك للانسان اكثر مما الطبيعة مُلك له: أليس الجسد الجزء الاوحد من الطبيعة الذي حلّت الروح فيه، فما قطنت شجرة يوم جاءت الارض أو غديراً، بل دخلت جسم الانسان - رغم اقاصيص الاغارقة الشذية؟
★
وسأعرض الآن جسد امرأة ( بالألفاظ طبعاً ! )، واروي كيف وصفه شعراء العرب في أجمل حالاته :
الشعر : اهتم شعراء العرب بوصف شعر محبوباتهن، وكانوا يتطلبون فيه ان يكون طويلاً ضافياً، يشبه لطوله بالافاعي السوداء، اذا ارسلته المرأة على سجيته انعفر. وان يكون
اسود اللون كقطوف العنب السوداء الغامقة. وقد احب البعض الشعر المتجعد الخشن، الذي تهلك المدراة في افنانه، والبعض الآخر المسترسل اللين كأجساد الافاعي المالسة، بينما صوّر غيرهم المرأة بأنها قد تكون ذات شعر متجعد مسترسل في الوقت ذاته، كامرىء القيس :
( تضلّ المداري في مثنى ومرسل ... )
لكنه على الحالين يجب ان يكون كثيفاً كغابة، فهو افرع أغم، تضلّ به المدراة لكثافته كما تتكسر لخشونته، وهو أثيث غليظ، شبه لذا بالكروم وباغصان النخيل. وكانت المرأة تجدل شعرها لطوله، وتتأنق في ضفره وتمشطه ورفعه. وفي كتب الادب ان بعض العربيات الشريفات كنّ يتفنن في صف شعرهن، وان سكينة بنت الحسين كانت تصففه بشكل جميل خاص عرف فيما بعد بالجُمّة السكينية. لكننا لا نقرأ عن صبغ الشعر واستعمال الحناء.
وننحدر قليلاً، فيعترضنا الجبين، وقد اقتصر شعراء العرب في وصفه، واكتفوا بالتشديد على كونه واسعاً يملأ جانباً مرموقاً من الوجه بكامله، وعلى بياض لونه المنسجم مع بياض البشرة كلها بياضاً يشع كقمر منير. ووصف العرب الحاجبين بالدقة ( الدقة الطبيعية ! ) وبتباعد ما بينهما وبالتقوّس والانحناء كحرف نون. ولا نقرأ عن تأنق المرأة العربية في اصلاح شأن حاجبيها أو جفنيها.
اما العينان فأعتقد ان وصف شعراء العرب لها كان دون ما وجب ان يكون، خاصة وان العينين هما اكثر اعضاء الجسد مزجاً للجسد والروح. وقد فضلوا ان تكون العينان: سوداوين. ومعظم الابيات تعرض لهذا الوصف وتنعت العينين بالدعج. وان تكونا واسعتين: لذا شبهوها بعيني البقرة والظبية والمهاة وغيرها من الحيوان. ويجب ان تكونا كحلاوين، وفيها حور يؤدي للفتك بالرائي، وأي لا يعرف بيت جرير :
( إن العيون التي في طرفها حور قتلننا ثم لم يحيين قتلانا )
وان يكون فيها فتور ونعس، فيوصفان لذا بالذبول والسهم. ونتيجة لهذه الصفات التي يجب ان تتميز بها العينان أصبحتا ذات تأثير كبير في الناظر، تفتكان به ولا تحييانه، وتنزعان القدسية من راهب، كقول امرىء القيس :
( لها مقلة لو انها نظرت بها الى راهب قد صام لله وابتهل لأصبح مفتوناً معنّىً يحبها كأن لم يصم لله يوماً ولم يصلّ )