هو في ضخامته، وكلما ازداد ضخامة ازداد جمالا. ويقول الناقد الآمدي: (من عادة العرب أنها لا تكاد تذكر الهيف وطي الكشح ودقة الحصر إلا إذا ذكرت من الأعضاء ما يستحب فيه الامتلاء والري والغلظ). لذا وصفوا المرأة هركولة، ضخمة الأرداف، وشبهوا الردف بكثيب الرمل الممتلئ، الثقيل إلى حد يتعب معه جسم المرأة حسب قول عمرو بن كلثوم، فتكاد لذا أن تقع. بل أن تقله قد يصرعها. وأحب امرئ القيس أن يضيف لأوصاف الردف جديداً، فلم يكتف بتشبيهه بكثيب الرمل بل زاد أنه لضخامته واتساعه (يشي الوليدان فوقه ...) !
أما الفخذان فيجب أن يكونا، ليكتملا جمالا، أبيضين، لينين، كالخروع، وأن يكونا ثخينين إلى حد الاصطكاك واحدهما بالآخر.
ولم يشدد شعراء العرب على جمال الساقين، لأن الشعور بجمالها كان يتطلب تقصيراً من طول الثوب الذي ترتديه المرأة. وكانوا يفرضون فيها البياض والاستواء، كالبردية، وأن يكونا مكروين، خدلين، وأن يكونا ممتلئين، ضخمين، خدلجين أي سمينين، إلى حد أن يضرب سبعون مثقالا في خلخالها فإذا أكره بالطرق انكسر من ضخامة الساقين وامتلائها.
★
... بدا ينهي هذا القسم من استعراض الجسد ووصف جماله كما عبّر عنه الشعر القديم. وأرى مناسباً أن أتعرض لبعض نقاط أخرى تتعلق بجمال المرأة:
المشية: وُصفت مشية الجميلة بأنها متقاربة الخطى، نظراً لبدانتها، كأنها تطأ على شوك لثقل المشي عليها، وهي ضيقتها، تمشي ببطء كالضعيف، مشية متثاقلة كمشية البقر، وتعجز قبل الوصول
إلى هدفها عن التنفس، وتفتقر متى تنهض إلى الشيء، ولولا أنها تتشدد إذا قامت لجاراتها لسقطت صريعة الكسل. وهي تتثنى في مشيتها وتتفائل وتهتز وتتبختر، وتتحرك كل شقة من رجليها وفخذيها على حدة.
الحديث: وغريب أن شعراء العرب وصفوا المرأة حين تتكلم بأنها تهمس همساً! بل أكثر من ذلك، صوّروها لا تكثر من الكلام، وكأنهم لم يعرفوها حقاً، أو كأنهم لم يسمعوا بحكاية أوفيد الرمزية عن المرأة التي قطع لسانها، وعادوا إليه بعد ساعات فوجدوه ما زال يتذبذب ويتحرك، لأنه لم يعرف السكون في حياته يوماً..! وقد وصفوا حديثها بالعسل لحلاوته.
الزينة: وقد وُصفت الجميلة بأنها لا تفعل شيئاً ولا تقوم بأي عمل إلا وقت الشدائد، لذا يُستدل على مدى خطورة الظروف من مبلغ قيام المرأة بالأعمال. وهي تنام منذ أول الليل وتظل في سباتها حتى الضحى، وتكره أن توقظ حتى ولو وهبت ما وهبت، كما في قصة عائشة بنت طلحة المعروفة. وهذه الراحة الزائدة تقود إلى سمنتها التي اتخذها القدماء رمزاً لجمالها. وقد تأتي كسلها عن غناها وترفها؛ فهي تخضب أناملها كما مر بنا، وتتعطر فينبثق عنها عبق العنبر والمسك، وتنبعث عنها روائح ذكية، فيستدل عمر على بيت نُعم بواسطة رياها ويهنيء أهلها بنشرها اللذيذ ويحسبها حين تمر عطاراً. وهي روضة ملأى بالقرنفل، وليس في جسمها غير عبق مسك، فإذا عصر هذا من أردانها تكاد هي تنعصر. وكانت المرأة تكثر من الحلي، تضعها في أذنها وعنقها ومعصمها وساقها. وكانت تتأنق في ملبسها، وتكثر من التبديل في أثوابها، وترتدي الحرير. وفي صدر الإسلام أخذت المرأة تلبس القمص الإسكندرانية الرقيقة والثياب القوهية المعصفرة التي تكاد تشف عن جسدها وتكشف منها أكثر مما تستر. مما حمل معاذ بن جبل على القول: (إنكم ابتليتم بفتنة الضراء، وإني أخاف عليكم فتنة السراء، وهي النساء إذا تحلّين بالذهب وليس ربط الشام وعصب اليمن). ولما ليمت عائشة بنت طلحة على سفورها وتبرجها قالت: (إن الله تبارك وتعالى وسمي بميسم جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم، فما كنت لأستره!).
★
... وقد يسأل سائل: ومن ترشح مثالا للجمال العربي القديم؟ فأقف حائراً، أفتش عن صنو لأفروديت وهيلين عند الأغريق، وكليوباترة ونفرتيتي عند المصريين، وسميراميس عند البابليين، وشولميت عند العبريين. والواقع أن الشعراء القدامى لم يخلفوا لنا أسماء واقعية قدر ما خلفوا لنا صوراً لأشخاص واقعيات صوّروهن ذات الصور في معظم الحالات. فيصعب لذا أن نسمي اسماً ما، غير أننا قد نقترح اقتراحاً: فإذا ذكرنا أن عمر بن أبي ربيعة كان المحب الأول وكان ذا ذوق رفيع في الجمال (رغم عدم استنكافه عن السقي من أي نبع، ورغم مدحه لبعض القبيحات بحيث أنكرت صاحباته عليه ذلك وتساءلن كيف يرتفعن بعد مدحه لرملة مثلاً)، وإذا ما ذكرنا أن حبيبته الأولى كانت الثريا التي أطنب عمر في مدح جمالها والتي قال أحد نقاد عصرها فيها أنها أروع مما وصف عمر وقال آخر أنها عرضة الجمال والتمام - جاز لنا أن نقترحها من جميلات العربيات. كذلك إذا ذكرنا أن عائشة بنت طلحة كانت محبوبته الثانية وكان يرقى على حبها كثير من عظماء القوم ومتذوقي الجمال فيهم وأنها كانت لا ترى في ذاتها وصمة بقدر أن يذكرها بها أحد - جاز لنا أن نقترحها من جميلات العربيات أيضاً. وليس لنا، الأسف، وصف خاص لهما غير الأوصاف العامة التي أغدقت على كل الحسان، وغير هذين الوصفين،
