


تعرف جامعة ادنبره ما خبأته لها يد التقادير عندما وطئت اعتابها اقدام صوفيا جكس بليك ، الفتاة التي فتحت الطريق امام بنات جنسها للدراسات العالية . فقد قدمت صوفيا تلتمس الدخول في الجامعة لدرس الطب ، وكانت قد طرقت ابواب جامعة لندن قبلاً، فلم يكن يسمح عند ذاك للفتيات بدراسة الطب. وكتب اليها احد الاساتذة من جامعة كمبردج يقول انه لا بد من مرور حقبة من الزمن قبل ان يسمح للفتيات بنيل شهادات الطب من تلك الجامعة . وتطلعت هذه الفتاة الطموحة الى ادنبره ، ويممت وجهها شطر تلك المحاضرة عساها تتوفق في مسعاها وتفتح الطريق امام الكثيرات من الفتيات اللواتي رغبن في متابعة دراساتهن العالية ودخول الجامعات .
ولشد ما رآها معاصروها تلج بالسؤال ، وتقرع كل باب . وكانت تقابل الاساتذة على انفراد ، وترسل الطلبات الواحد تلو الآخر . الا ان جميع محاولاتها باءت بالفشل ، وفي كل مكان وجدت معارضة ورفضاً . بيد انه في النهاية سمح لها ان تحضر المحاضرات في جامعة ادنبره . فقالت في نفسها : هذا بداءة الخير . الا ان قبولها في الجامعة لم يطب في اعين الطلاب الذين رفعوا احتجاجاً الى عمدة الجامعة طالبين فيه عدم السماح للنساء بدخول الجامعة . لكن العمدة استطاعت التوصل الى تسوية مؤقتة ، بالسماح لهذه الفتاة بصورة استثنائية لحضور المحاضرات .
وبعد فترة من الزمن وصلت طلبات من فتيات اخريات لقبولهن في الجامعة . وبعد مخابرات والتماسات سمح خمس فتيات ان يدخلن الى الجامعة بعد ان اجتزن امتحان المتركيوليشن . واستحقت احدى الفتيات منحة لتفوقها في الكيمياء ، الا ان القانون لم يجز اعطاء المنحة لفتاة فاعطيت الى الرجل الذي جاء بعدها في الدرجة . وعندما عرف الناس بهذا الاجحاف احتجوا وضجوا ، مما اضطر عمدة الجامعة ان تأخذ قراراً تحرّم فيه على الطالبات اللواتي قبلن في الجامعة التمتع بجميع الحقوق التي للرجال .
وبعد بذل المساعي ، قبلت الجامعة بالفتيات كمستمعات في قاعات المحاضرات. ولكن المشكلة المستعصية كانت في السماح للفتيات بالتمرن في المستشفيات ، فقد عارض الطلاب ان تعمل الفتيات في المستشفيات ، وكان وجودهن حتى في إبهاء الجامعة مثاراً للضحك والسخرية . واشتدت حملة الطلاب ضدهن الا ان الرأي العام كان بجانبهن . واحتشدت الجماهير امام ابواب الجامعة وهي تصرخ : من العار حرمان هؤلاء الفتيات من مواصلة دراساتهن العالية ! وشقت الفتيات طريقهن وسط الهتاف وحماس الجماهير ، وكانت صوفيا دائماً في الطليعة والرائدة في هذا المضمار ، والزعيمة لهذه الحركة النسائية المطالبة بتسهيل الدراسة العالية للنساء .
ودخلت الفتيات عنوة الى غرف المحاضرات ، وتعالى احتجاج الطلاب حتى كادت كلمات المحاضر ان لا تسمع. وعند انتهاء المحاضرة جاء بعض رجال الشرطة لافتياد الطالبات الى بيوتهن خشية الاعتداء عليهن . وهكذا توتر الجو وتأزم الموقف في مدينة ادنبره . ولكن بالرغم من كل هذا كنت ترى صوفيا تسهر بعزم متغلبة على كل صعوبة . فهي تريد ان تكون طبيبة مهما كانت الاحوال ، وهي ترغب ان تفتح الطريق امام باقي الطالبات . وانهالت الرسائل من جميع الجهات على ادارة الجامعة يطلب اصحابها فيها السماح لطالبات الطب بدخول المستشفيات . وجاءت التبرعات من جميع المملكة المتحدة لتعزيز هذه الفكرة ، وكثرت رسائل التشجيع التي ارسلت من كل حدب وصوب .
اما موظفو الجامعة فقد اخذوا يضيقون الخناق على حركة النساء بقصد قتل الحركة في مهدها . الا ان صوفيا زعيمة هذه الحركة لم تلن ، ولم تثنها المصاعب والعقبات عن تحقيق امانيها . والظاهر ان الناس جهلوا سر عظمة صوفيا ، ففتاح نجاحها كان في تنفيذ ارادة الله . فهي لم تشك مطلقاً ان دعوتها كانت من الله ، وهكذا بعد ثلاث سنوات من جهاد متواصل اجاز البرلمان البريطاني قانوناً سمح فيه لعشرين جامعة قبول الطالبات للدراسات الجامعية . وجاء هذا القرار محققاً لاماني