يستنتج حالياً من المقياس الاجتماعي للمرأة الشرقية على عموم درجاتها الثقافية منها والعلمية ، ان المرأة اللبنانية هي اوفرهن حظاً في انتجاع نهلة العلوم والآداب ، وابعدهن غوراً في مضمار الثقافة والفنون ، واسبقهن الى منافسة الرجل في اعماله ومهنه ، ويعزى هذا التفوق في الحقلين العلمي والعملي ، الى خصائص فريدة ومزايا خاصة تعقبت في سيرها الطبيعي والتاريخي طبائع الشعب وطبيعة البلاد ، وحملتها على موكب جموح النفس ، نهم الفؤاد ، واسع الانطلاق ، ادى بها تشوقه الى هذه الدرجة السامية من الفخر والاكبار .
وللعوامل النفسانية نشاط لا يقل في جوهره وقيمته عن البواعث الخارجية التي تقتصر فاعليتها على الاوجه التالية :
أولاً - كثرة المدارس الوطنية والاجنبية كانت عاملاً اساسياً في خلق مجتمع نسائي راق ، يسعفه في نهوضه حب المرأة للعلم والرقي .
ثانياً - نزوع الشعب اللبناني الى النزوح والهجرة ، مما نبه في نفوس رجاله ونسائه حوافز الاستطلاع والمعرفة بسائر لغات العالم ، لانه وجد في استقرائها منجداً يعينه على نشر جناحيه فوق جميع الامصار والاقطار .
ثالثاً - كثرة الاغراب الذين يفدون على البلد اللبناني طلباً للراحة والاستجمام ، لانه الوطن الشرقي الوحيد الذي ارتاحت فيه الطبيعة الى فنها وابداعها . فعول اهلوه على اتقان لغات عديدة لتقوية اواصر التفاهم والوداد ونقض حواجز الجهل والتباين ، لكي يظل لهذا الوطن
صفاته كبلد مثالي للاصطياف والسياحة .
وتقسم المرأة اللبنانية من حيث البيئة والرفعة الى اربع فئات .
١ ــ امرأة المدينة
قوة الابتكار والابداع . فهي مقلدة محترفة ، تنصاع امام كل زخرف براق ، وتنقاد لدى كل زي جديد . بيد انها طموحة في اختيار الازياء ، سريعة في اقتباسها ، حريصة على امتلاكها .
اما المقياس العلمي لهذه الفئة من النساء فهو على جانب كبير من الرفعة والاقتدار ، لان امرأة المدينة - على العموم - تستأثر بتفوق بليغ في المضمار العلمي والثقافي في لغات عديدة . وقد انضمت بعض النسوة النشيطات الى صفوف حزبية وساهمن في بناء منظمات نسائية ، وما زلن يعملن بجد ونشاط
للرفع من شأن المرأة والوطن . وغالباً تقوم حياتها العائلية على اسس نظامية تقليدية تتأثر بالبيئة والمحيط ، في حين يستبعد ان يكون لرجلها اية سلطة او رأي ، فهي تحبه لما عنده وليس لما هو عليه . وهي على العموم مغرية لسناء ، تقرأ الروايات الغرامية وتقضي معظم سهراتها في دور السينما والملاهي .
مستقبلها : سوف تبلغ في تطورها ورقيها درجة الرجل السياسي المحنك ، فتزاحمه في سائر اعماله وتفكيره . ولن تكون لها ميزته رغم وجود بعض الاديبات المحلقات ، لان اتجاهاتها كثيراً ما ترتكز على النقل والتقليد ، والمستقبل لن يغير صفاتها الادبية تغييراً مطلقاً .
٢ ــ امرأة القرية
تتمتع القروية بحرية اجتماعية مطلقة رغم طموحها الضئيل وغاياتها البسيطة ، لانها تعيش بدائرة مستقلة اشبه ما تكون بالعائلة الكبيرة ويقتصر عملها اليومي على الاشغال البيتية المتكررة وعلى نزهة قصيرة نحو الغابة او النبع . وقد اكسبتها هذه العزلة والانكماش صفات خاصة كانت تحد من حيوية احلامها وآمالها ، فتحسرها الى دائرة صغيرة من البساطة والسخافات . وغالباً تنحصر حياتها الغرامية بابن الجارة او باول فتى يبثها كلمات الحب والغرام ، لان نفسيتها العذراء ابعد ما تكون عن الرياء والمحاباة . فهي سريعة التصديق حريصة على الوفاء . وكثيراً ما تبدو سخيفة ساذجة في حذوها حذو المرأة العصرية . وبالرغم من زياراتها العديدة للمدينة ففي لباسها ومشيتها ولهجتها دليل ثابت وبرهان قاطع على تمييز شخصيتها عن سائر النساء . اما مقاييسها الاجتماعية فهي محدودة من جميع النواحي العلمية والثقافية والفنية والسياسية .
