بقية المنشور على الصفحة ١٠
وزرتها في إحدى العشايا فرأيت على ذراعها طفلة لا يزيد عمرها على ثمانية أيام.
- ما هذا يا الماس؟
- هذه «لقيطة» تعهدت للراهبة أن اعتني بها لقاء أجرة شهرية، وقد أعطاني الدير علب الحليب هذه والرضاعة وكل ما أحتاجه لتدفئتها.
كانت الطفلة آية في البهاء! إشراق وحسن تكوين، عنق وخطوط وأطراف كرسم كوبيدون في المتاحف، وشعر وبشرة كما قال الشاعر:
............ كالتبر مذروراً على برد!
وأحببت هذه الطفلة البيضاء التي رماها الحب المعربد على باب الراهبات، فكنت آخذها إلى بيتي في بعض العشايا وأنظفها وأغطسها في الماء الفاتر، وكثيراً ما كنت وجارتي المحسنة ننظر برعب إلى مستقبل هذا الجمال الساحر فنتمنى لو تموت طفلة وترتاح.
كان من الطبيعي موت الأطفال في مثل هذا القبو وهذا الشقاء، فمرضت المسكينة وماتت، فحملتها الماس على ذراعيها إلى المدفن بعد أن لفتها بجرام قديم وسلمتها إلى حفار القبور وقد اعتاد عملية دفن اللقطاء على هذا الشكل. لا نعش ولا من يحزنون....
وبقي الزوج على ضلاله. نزلت مرة لزيارة الماس فرأيته جالساً على كرسي وقد ارتدى بدلة من الجوخ الرمادي وقميصاً حريرياً كأحسن ما تكون القمصان بربطة عنق من الحرير الأحمر وجوارب حمر وحذاء لامع - كان من حقي أن أنفر من منظر هذا الوحش البشري، فلم ألبث حتى نهضت فتبعني الأطفال وتعلقوا بي ولما صرت خارج الغرفة همسوا كما يهمس الكبار:
- الله يخليك يا ست سلمى قولي له
حتى يترك يوسفية ويعود إلى البيت!
ومرت الأيام، فتغيرت صورة هذا البؤس الأسود. وعملت الماس بجهد وأمانة في سبيل أطفالها فتمكنت من استئجار غرفة واسعة ذات نافذتين. ولكن أليس للصبر حدود؟ أما للنساء - كما يقول الدكتور جورج حنا - أجساد وأرواح؟
وهكذا، التقيتها يوماً في الطريق، كانت ثيابها لم تزل ثياب الفاقة والعذاب، أما وجهها فكدت أن لا أعرفه. لقد نتفت حاجبيها ووضعت مكانها خطأ من الصباغ الأسود الحاد، وطلت وجهها بالأدهان البيضاء والقرمزية الفاقعة فظهرت بشرتها البنية الغامقة بلون البنفسج. سلمت علي بلهفة حارة ولما رأت وجومي، لما رأت تحديقي بوجهها الغريب قالت:
- قصف الله عمر الرجل الذي أشقاني!!

